زنقة 20 | الرباط
أطلقت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات دراسة لتقييم الحصيلة المرحلية لاستراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030″، بهدف الوقوف على مستوى تنفيذ برامجها وتسريع وتيرة إنجازها خلال السنوات المتبقية، إلى جانب المساهمة في إعداد رؤية مستقبلية للقطاع الفلاحي في أفق سنة 2050.
وكشف الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية، إدريس الفينة، في منشور على صفحته بموقع “فيسبوك”، أن إنجاز هذه الدراسة أُسند إلى تجمع استشاري يضم مكتب Boston Consulting Group (BCG) إلى جانب مكتبي Novec وAgro-Concept، في صفقة بلغت كلفتها نحو 11.85 مليون درهم.
وأكد الفينة أن تقييم الاستراتيجيات العمومية في منتصف مسارها يعد ممارسة مؤسساتية ومالية ضرورية، خاصة بعد خمس سنوات اتسمت بتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع أسعار المدخلات الفلاحية، وتراجع القطيع الوطني، وتزايد الضغط على الموارد المائية، معتبرا أن الإشكال لا يكمن في مبدأ التقييم، وإنما في الكيفية التي تدبر بها الوزارة المعرفة والخبرة داخل أجهزتها.
وتساءل الخبير الاقتصادي عن الأسباب التي تدفع وزارة تتوفر على مديرية للاستراتيجية والإحصاء، ومديريات مركزية وجهوية، ومكاتب جهوية للاستثمار الفلاحي، ومؤسسات عمومية متخصصة، ومدارس عليا للمهندسين، ومعاهد للبحث الزراعي، إلى الاستعانة بمكتب استشاري خارجي لتقييم ما تحقق من أهداف الاستراتيجية بعد مرور خمس سنوات على إطلاقها.
وأوضح أن الاستعانة بخبرات دولية ليست في حد ذاتها مؤشرا على الفشل، إذ قد تقتضي بعض الدراسات الاستفادة من تجارب مقارنة ومناهج متقدمة في التقييم والاستشراف، كما أن مشاركة مكاتب مغربية ضمن التجمع الفائز تمنح الدراسة بعدا وطنيا، غير أن الإشكال، بحسب تعبيره، يظهر عندما تتحول الاستشارة الخارجية إلى بديل دائم عن القدرات الداخلية للإدارة، بدل أن تكون أداة داعمة لها.
وأضاف أن الدولة تستثمر في تكوين آلاف المهندسين والباحثين والأطر التقنية، لكنها تواصل، في كل محطة استراتيجية، الاعتماد على مكاتب خاصة لتشخيص أوضاع القطاع وصياغة التوصيات، معتبرا أن ذلك يعكس محدودية بناء قدرات مؤسساتية داخلية في مجالات التفكير والتقييم، كما أن المعارف التي تنتجها هذه الدراسات تبقى، في الغالب، حبيسة العقود والوثائق المغلقة، ولا تتحول إلى رصيد معرفي متاح للجامعات والباحثين والفاعلين المهنيين.
وفي هذا السياق، طرح الفينة جملة من الأسئلة المرتبطة بآليات التقييم داخل الوزارة، من بينها موقع منظومة التقييم الداخلي، وما أنتجته مديرية الاستراتيجية والإحصاء خلال السنوات الماضية، وما إذا كانت الوزارة تتوفر على قاعدة بيانات موحدة تمكن من تتبع مؤشرات تنفيذ استراتيجية “الجيل الأخضر” حسب الجهات والسلاسل الإنتاجية والفئات الاجتماعية وأحجام الاستغلاليات.
وسجل المتحدث أن الاستراتيجية، التي أطلقت سنة 2020، حددت أهدافا طموحة تشمل رفع القيمة المضافة الفلاحية، وإرساء طبقة وسطى قروية، وإدماج الشباب، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين نجاعة استعمال المياه، وتعزيز جودة الإنتاج والتسويق، غير أنه اعتبر أن تقييم السياسات العمومية يجب أن يقوم على قياس النتائج الفعلية، وليس على إعلان الأهداف أو عدد المشاريع المنجزة.
وأشار إلى أنه كان من المفترض أن تتوفر الوزارة منذ السنة الأولى على لوحة قيادة معلنة تتضمن مؤشرات دقيقة، من بينها عدد الفلاحين الذين انتقلوا فعليا إلى الطبقة الوسطى، وعدد الشباب المستفيدين من الأراضي أو التمويلات لإحداث مشاريع مستدامة، وتطور دخل الأسر القروية، وإنتاجية المتر المكعب من المياه، ومردودية الدعم العمومي، واستمرارية المشاريع بعد انتهاء المواكبة، فضلا عن توزيع الاستثمارات بين الفلاحة الكبرى والصغرى وبين مختلف جهات المملكة.
ويرى الفينة أن غياب نشر هذه المؤشرات بشكل دوري يجعل من الصعب تقييم مدى تقدم الاستراتيجية، معتبرا أن إطلاق صفقة جديدة لإرساء نظام معلومات لتتبع تنفيذ “الجيل الأخضر” بعد مرور جزء مهم من عمرها يطرح تساؤلات حول الكيفية التي كانت تعتمدها الوزارة في تتبع الإنجاز وتصحيح الاختلالات منذ سنة 2020.
كما توقف عند وضعية الإحصاء العام للفلاحة لموسم 2015-2016، الذي كان يفترض أن يشكل قاعدة مرجعية حول بنية الاستغلاليات الفلاحية وأنماط السقي واليد العاملة والقطعان والتجهيزات، مشيرا إلى أن نتائجه التفصيلية لم تنشر بالشكل الذي يسمح للباحثين والخبراء بإجراء تقييمات مستقلة، وهو ما اعتبره مفارقة في وقت يتم فيه تكليف مكتب استشاري بإعداد تقييم متقدم لاستراتيجية وطنية، دون إتاحة قواعد البيانات الأساسية للمجتمع العلمي.
وأكد أن السياسة الفلاحية الحديثة لا يمكن أن تقوم دون بيانات مفتوحة ومحدثة، في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية، وتحولات استعمال الأراضي، ونقص اليد العاملة، وتراجع الموارد المائية، معتبرا أن البيانات أصبحت بنية تحتية عمومية لا تقل أهمية عن السدود وشبكات الري.
وفي ما يتعلق بسياسات الدعم، أشار الفينة إلى أن الدولة خصصت خلال السنوات الماضية اعتمادات مالية مهمة لدعم الأسمدة والبذور والأعلاف ومياه الري والآلات الفلاحية والاستيراد وإعادة تكوين القطيع، مؤكدا أن جزءا كبيرا من هذه التدخلات كان ضروريا لمواجهة آثار الجفاف وحماية الأمن الغذائي، لكنه شدد على أن استمرار الدعم ينبغي أن يكون مصحوبا بتقييم دقيق لمردوديته الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح أن تقييم السياسات العمومية يجب أن يجيب عن أسئلة تتعلق بالمستفيدين الحقيقيين من الدعم، ومدى انعكاسه على الإنتاج والأسعار، واستدامة نتائجه، وكلفته مقابل كل منصب شغل أو طن إضافي من الإنتاج أو متر مكعب من المياه تم توفيره، داعيا إلى الانتقال من منطق احتساب الاعتمادات وعدد المستفيدين إلى قياس الأثر الصافي على الإنتاجية والدخل والاستدامة.
كما اعتبر أن الظرفية الحالية تفرض مراجعة النموذج الفلاحي في ضوء ندرة المياه والتغيرات المناخية وتراجع اليد العاملة القروية، مؤكدا أن رفع الإنتاج لم يعد هدفا كافيا إذا كان يتم على حساب استنزاف الموارد المائية أو يتطلب مستويات مرتفعة من الدعم مقابل قيمة مضافة محدودة، داعيا إلى جعل القيمة الاقتصادية والاجتماعية المنتجة مقابل كل متر مكعب من الماء وكل درهم من الدعم المعيار الأساسي لتقييم السياسات الفلاحية.
ودعا الفينة إلى التمييز بين الفلاحة التصديرية القادرة على تحمل جزء أكبر من تكاليفها، والفلاحة العائلية التي تضطلع بأدوار اجتماعية ومجالية وبيئية وتحتاج إلى دعم موجه، معتبرا أن اعتماد الأدوات نفسها مع الفئتين قد يؤدي إلى اختلالات في توزيع الدعم أو إلى إضعاف الفلاحين الصغار.
وفي ختام تحليله، شدد رئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية على أن الدراسة الجديدة ينبغي ألا تنتهي بتقرير إضافي أو توصيات عامة، بل أن تشكل مدخلا لإصلاح مؤسساتي يشمل إنشاء هيئة دائمة ومستقلة نسبيا لتقييم السياسات الفلاحية، ونشر قواعد البيانات وفق معايير البيانات المفتوحة، وتوحيد أنظمة المعلومات بين مختلف مؤسسات القطاع، وربط الدعم بمؤشرات الإنتاجية والاستدامة والدخل، وإشراك الجامعات ومراكز البحث المغربية بصورة منتظمة في عمليات التقييم والتخطيط.
كما دعا إلى إلزام التجمع الاستشاري المكلف بالدراسة بنقل المعرفة والمنهجيات والأدوات الرقمية إلى أطر الوزارة، وتسليم قواعد البيانات والنماذج المعتمدة، بما يضمن بناء خبرة مؤسساتية داخلية ويجنب الإدارة اللجوء مستقبلا إلى شراء المعرفة نفسها في كل مرحلة من مراحل تقييم السياسات العمومية.