زنقة 20 | خالد أربعي
كشفت صحيفة “ذا أتليتيك” الأمريكية في تقرير مطول أن النجاح الذي يعيشه المنتخب المغربي لكرة القدم خلال السنوات الأخيرة يرتبط بشكل كبير باستراتيجية مدروسة لاستقطاب اللاعبين من أصول مغربية المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، وهي السياسة التي جعلت “أسود الأطلس” يمتلكون واحدا من أكثر المنتخبات اعتمادا على لاعبين ولدوا خارج البلاد، بعدما تحول البحث عن المواهب إلى مشروع مؤسساتي طويل الأمد.
وأشار التقرير إلى أن الأنظار ستكون مسلطة خلال مواجهة المغرب وفرنسا في ربع نهائي كأس العالم 2026 على الموهبة الشابة أيوب بوعدي، الذي أصبح واحدا من أبرز اكتشافات البطولة، بعدما قدم أداء استثنائيا في وسط الميدان خلال التعادل أمام البرازيل في دور المجموعات، مظهرا قدرة تقنية وهدوءا كبيرا رغم بلوغه 18 سنة فقط.
وأوضح التقرير أن قصة بوعدي تحمل خصوصية كبيرة، باعتباره مولودا في فرنسا، حيث تدرج في مختلف فئات المنتخبات الفرنسية السنية، وكان قد مثل منتخب فرنسا لأقل من 21 سنة حتى شهر مارس من السنة نفسها، قبل أن يقرر تغيير اختياره الدولي والالتحاق بالمنتخب المغربي قبل أسابيع قليلة من انطلاق كأس العالم.
وأكدت “ذا أتليتيك” أن حالة بوعدي ليست استثناء، إذ تضم قائمة المنتخب المغربي في مونديال 2026 ما مجموعه 19 لاعبا من أصل 26 مولودين خارج المغرب، في دول مثل فرنسا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا وكندا، لكنهم مؤهلون لتمثيل المغرب بفضل أصولهم العائلية.
وترى الصحيفة الأمريكية أن ما يميز التجربة المغربية ليس فقط عدد اللاعبين القادمين من الخارج، لأن منتخبات أخرى تعتمد بدورها على أبناء الجاليات، وإنما الطريقة المنظمة التي اعتمدها المغرب في البحث عن هذه المواهب وإقناعها بالانضمام إلى مشروعه الرياضي، وهو ما ساهم في تغيير مسار كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير.
وحسب التقرير، فإن نقطة التحول الأساسية جاءت سنة 2014 مع وصول فوزي لقجع إلى رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حيث تم الانتقال من عملية استقطاب تعتمد على المبادرات الفردية إلى منظومة منظمة عبر إحداث قسم خاص بتتبع اللاعبين المغاربة في الخارج والتواصل معهم.
وجاء هذا التوجه في إطار رغبة رسمية في تعزيز مكانة المغرب داخل كرة القدم العالمية، بعدما كان المنتخب الوطني قد شارك في مونديال 1998 بفرنسا قبل أن يغيب عن النهائيات العالمية لسنوات، حيث اعتبرت السلطات أن تطوير كرة القدم يمكن أن يمنح المغرب حضورا أكبر على المستوى الدولي.
ونقلت “ذا أتليتيك” عن مصدر داخل الجامعة المغربية، رفض الكشف عن هويته، أن كرة القدم أصبحت تحمل أهمية سياسية واجتماعية كبيرة داخل المغرب، باعتبارها جزءا من مشروع وطني لتعزيز الحضور العالمي للبلاد.
وأشار التقرير إلى أن فوزي لقجع، الذي يشغل أيضا منصبا حكوميا، لعب دورا محوريا في تطوير البنية التحتية، خصوصا عبر دعم أكاديمية محمد السادس لكرة القدم قرب الرباط، التي بلغت تكلفة إنشائها أكثر من 65 مليون دولار، وأصبحت من بين أبرز مراكز تكوين اللاعبين في العالم.
وأوضح التقرير أن المهمة أسندت في البداية إلى المدير التقني السابق للجامعة ناصر لارغيت، قبل أن تتولى حاليا خلية يقودها ربيع تاكاسا عملية التنسيق بين الكشافين المنتشرين في عدد من الدول الأوروبية.
وتضم الشبكة سبعة كشافين يعملون في إسبانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا والدول الإسكندنافية، حيث يقومون بمتابعة اللاعبين المغاربة أو ذوي الأصول المغربية منذ سن مبكرة.
وقال ربيع تكاسا، وفق التقرير، إن الجامعة تتوفر على قاعدة بيانات تضم ما يقارب 3000 لاعب من مختلف الفئات العمرية، يتم التعرف عليهم منذ سن الثامنة أو التاسعة، قبل متابعة تطورهم وإدماجهم ضمن برنامج التواصل عندما يصلون إلى سن 12 أو 13 سنة.
وأضاف أن التواصل لا يقتصر على اللاعب فقط، بل يشمل العائلة والمحيط القريب، من خلال تقديم المشروع الرياضي المغربي، وشرح ظروف العمل والتكوين، وإبراز مستوى أكاديمية محمد السادس لكرة القدم.
وأكد التقرير أن مستوى المنتخب المغربي ونتائجه الدولية أصبح عاملا حاسما في إقناع العديد من اللاعبين، بعدما كان بعضهم في السابق يفضل منتخبات أخرى بسبب غياب المغرب عن كأس العالم أو عدم تحقيق نتائج كبيرة.
وأبرزت “ذا أتليتيك” أن تأهل المغرب إلى كأس العالم 2018 شكل نقطة تحول مهمة، بعدما ضمت التشكيلة لاعبين بارزين مولودين خارج البلاد، مثل الفرنسي الأصل رومان سايس، والإسباني الأصل أشرف حكيمي، والهولندي الأصل سفيان أمرابط.
كما أن الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، عندما أصبح المغرب أول منتخب إفريقي يصل إلى نصف نهائي كأس العالم، رفع من قيمة المشروع المغربي، حيث ضمت تلك التشكيلة 14 لاعبا مولودين خارج البلاد، قبل أن يرتفع العدد إلى 19 لاعبا في مونديال 2026.
وأشار التقرير إلى أنه خلال مباراة المغرب والبرازيل في كأس العالم الحالية، وصل عدد اللاعبين الموجودين فوق أرضية الملعب والمولودين خارج المغرب إلى 11 لاعبا في فترة من اللقاء.
وتوقف تقرير “ذا أتليتيك” مطولا عند قصة براهيم دياز، لاعب ريال مدريد، باعتبارها من أبرز نجاحات الاستراتيجية المغربية.
فدياز، المولود في مدينة مالقة الإسبانية، كان مؤهلا لتمثيل المغرب عبر أصوله العائلية، غير أن اختياره الأول كان دائما مرتبطا بالمنتخب الإسباني. وقد بدأت محاولات المغرب لاستقطابه منذ سنة 2017، عندما التقى به المدرب السابق هيرفي رونار في إنجلترا خلال فترة وجوده بأكاديمية مانشستر سيتي.
ورغم ذلك، واصل دياز حلمه باللعب لإسبانيا، حيث شارك مع منتخباتها السنية، قبل أن يخوض أول مباراة مع المنتخب الأول سنة 2021 ويسجل هدفا في مواجهة ودية أمام ليتوانيا.
لكن غيابه عن حسابات المنتخب الإسباني، خاصة قبل كأس أوروبا 2024، دفعه إلى إعادة تقييم مستقبله الدولي، في ظل استمرار التواصل المغربي معه، سواء من طرف المدرب وليد الركراكي أو رئيس الجامعة فوزي لقجع.
وبعد موافقته على تغيير اختياره الرياضي، تم استكمال إجراءات انضمامه إلى المغرب سنة 2024، ليصبح أحد أبرز عناصر المنتخب في كأس العالم 2026، حيث شارك أساسيا في جميع مباريات المغرب الأولى بالبطولة، وقدم أداء مميزا جعله من بين أفضل صناع الفرص في المنافسة.
أما أيوب بوعدي، فقد اعتبر التقرير أنه يمثل أحد أكبر النجاحات الحديثة للمشروع المغربي، خصوصا أنه كان من أبرز المواهب الفرنسية الصاعدة.
فاللاعب تدرج في أكاديمية “كليرفونتين” الفرنسية الشهيرة، التي خرجت أسماء عالمية مثل كيليان مبابي وتييري هنري، كما لعب لمختلف الفئات العمرية للمنتخب الفرنسي.
وقال المدير التقني للاتحاد الفرنسي لكرة القدم هوبير فورنييه، حسب التقرير، إن فقدان بوعدي يمثل خسارة، مشيرا إلى أن اللاعب كان يمتلك إمكانيات كبيرة، لكن المنافسة داخل المنتخب الفرنسي، خاصة في مركز الوسط، جعلت دخوله إلى قائمة كأس العالم أمرا صعبا.
في المقابل، تناول التقرير ملف لامين يامال باعتباره الحالة التي لم يتمكن فيها المغرب من تحقيق النجاح نفسه.
وكانت الجامعة المغربية تتابع تطور يامال منذ بداياته مع أكاديمية برشلونة “لاماسيا”، بحكم أن والده مغربي ووالدته من غينيا الاستوائية، وحاولت إقناعه باختيار المغرب.
وكشف فوزي لقجع، وفق ما نقلته الصحيفة، أن وليد الركراكي التقاه في برشلونة وتحدث معه مطولا حول المشروع المغربي، كما جرت اتصالات مع عائلته، إضافة إلى زيارات قام بها اللاعب للمغرب.
لكن الاتحاد الإسباني تحرك بسرعة لحسم مستقبله، بعدما استدعاه إلى المنتخب الأول بعد فترة قصيرة من ظهوره مع برشلونة، ليصبح في سن 16 عاما أصغر لاعب في تاريخ إسبانيا، كما سجل هدفه الأول في مباراته الأولى أمام جورجيا.
وأكد يامال لاحقا أنه لا يشعر بالندم على اختيار إسبانيا، رغم اعترافه بوجود ارتباط عاطفي بالمغرب.
وختمت “ذا أتليتيك” تقريرها بالتأكيد على أن المنافسة بين المنتخبات على المواهب ذات الأصول المزدوجة أصبحت جزءا أساسيا من كرة القدم الحديثة، مشيرة إلى أن المغرب سيواصل هذا النهج في السنوات المقبلة.
كما لفتت إلى أن استمرار هذه السياسة يأتي في سياق استعداد المغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030، حيث سيكون الاستثمار في تكوين اللاعبين واستقطاب المواهب أحد العوامل الرئيسية لتعزيز قوة المنتخبات الثلاثة.