زنقة20| الرباط
في ظل تزايد المخاطر الطبيعية المرتبطة بالتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية المرتبطة بالفيضانات على الخصوص، حذر رشيد أغربي، الباحث بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة والمحافظ السابق لموقع بناصا الأثري من تنامي التهديدات التي تواجه المآثر التاريخية بالمغرب، مؤكدا أن الفيضانات تشكل أحد أخطر هذه التحديات بالنظر إلى تأثيرها المباشر على استقرار المباني الأثرية والبنيات التاريخية.
وأوضح السيد رشيد أغربي في حوار مقتضب أجرته معه جريدة Rue20, أن الكوارث الطبيعية، من زلازل وحرائق وانهيارات وفيضانات تظل خارج نطاق التحكم البشري المباشر غير أن تداعياتها يمكن التخفيف منها عبر سياسات وقائية محكمة، تقوم على التخطيط المسبق وتدبير ما بعد الكوارث بدل الاكتفاء بالتدخلات الظرفية بعد وقوع الضرر.
وقال المسؤول السابق عن أحد أبرز المواقع التاريخية والأثرية بالمملكة، أن التجربة التاريخية قد أثبتت أن التعمير القديم كان أكثر انسجاما مع المجال الطبيعي، حيث شُيّدت المدن الأثرية الكبرى على مرتفعات نسبية بمحاذاة الأنهار، ما وفر لها حماية طبيعية من الفيضانات، معززة بأسوار دفاعية ذات وظائف متعددة، أمنية وبيئية في آن واحد.
واعتبر أغربي، أن هذا المعطى يعكس مستوى متقدمًا من المعرفة الجغرافية والهندسية لدى الحضارات القديمة، وهو ما ينبغي استلهامه اليوم في سياسات حماية التراث.
وشدد أغربي، على أن موقع تاموسيدا يُجسد هذا الوعي المبكر من خلال السور الضخم المشيد بمحاذاة نهر سبو، والذي اعتمد تقنيات بناء مختلفة وأكثر متانة مقارنة بباقي أجزاء السور في دلالة واضحة على إدراك المخاطر المرتبطة بفيضانات النهر.
وأضاف أن الموقع الأثري قد يظل مهددا بفيضانات جزئية في حالات استثنائية مرتبطة بارتفاع منسوب المياه، غير أن الوضع الحالي يبقى مستقراً وتحت المراقبة.
وفي المقابل، أشار أغربي إلى أن موقع بناصا يستفيد من حماية طبيعية نسبية، لكنه يواجه إشكالات تقنية مرتبطة بارتفاع الفرشة المائية، خاصة على مستوى بئر الحمامات ذات الرسومات الجدارية، حيث يؤدي ارتفاع منسوب المياه الجوفية إلى تدفقها داخل بعض البنايات الأثرية، كما حدث سنة 2019، وهو ما استدعى تدخلاً ميدانياً عاجلاً لضخ المياه وحماية المكونات المعمارية للموقع.
وجدد أغربي التأكيد على أن حماية التراث الأثري لا يمكن أن تُختزل في تدخلات معزولة، بل تستوجب استراتيجية وطنية وقائية واضحة المعالم، خاصة بالنسبة للمواقع المهددة بالفيضانات أو الواقعة على جنبات الأودية والسواحل المعرضة للانجراف البحري.
وفي هذا الإطار، نوه أغربي بالمشاريع التي تشرف عليها وزارة الثقافة وعلى رأسها مشاريع حماية قصر البحر البرتغالي بآسفي وحصن الفتح بالعرائش، معتبراً إياها نماذج ناجحة في صيانة ورد الاعتبار للمعالم التاريخية المهددة.
وأكد أغربي أن الرهان الحقيقي يكمن في اعتماد مقاربة تشاركية، باعتبار أن مسؤولية حماية التراث مشتركة بين وزارة الثقافة والسلطات المحلية والمجالس المنتخبة، إضافة إلى قطاعات استراتيجية كوزارة التجهيز والماء، داعياً إلى إدماج حماية التراث ضمن برامج التنمية الترابية بدل التعامل معها كملف ثانوي.
وفي بعد آخر لا يقل خطورة، نبه الباحث الأثري إلى التهديدات البشرية التي تطال المواقع الأثرية غير المحروسة وعلى رأسها تنامي ظاهرة التنقيب غير القانوني باستعمال الكاشفات المعدنية، معتبراً أن هذا السلوك يشكل اعتداءً مباشرا على الذاكرة التاريخية الوطنية، ويستوجب تطبيقاً صارماً لقانون حماية التراث، إلى جانب حملات تحسيسية وتوعوية.
وختم رشيد أغربي حديثه بالتأكيد على ضرورة إقرار ميثاق وطني شامل لحماية التراث الثقافي المادي، يواكب التحديات المناخية والبيئية الراهنة، ويوفر الموارد البشرية والمالية الكفيلة بتنزيل مشاريع مندمجة، قادرة على حماية الموروث الحضاري وتحويله إلى رافعة للتنمية المستدامة، بدل أن يظل عرضة للتآكل والإهمال.