زنقة 20 l الرباط
دخل مشروع قانون مهنة المحاماة مرحلة جديدة بعد إحالته على المحكمة الدستورية، في خطوة تعتبر محطة دستورية أساسية للبت في مدى مطابقة مقتضيات النص لأحكام الدستور، قبل استكمال مسطرة إصداره ودخوله حيز التنفيذ.
المحامية فاطمة الزهراء الإبراهيمي عضو هيئة المحامين بالدارالبيضاء، اعتبرت أن إحالة المشروع على المحكمة الدستورية تندرج ضمن آلية الرقابة الدستورية القبلية، التي تهدف إلى التأكد من احترام القوانين لمبدأ سمو الدستور، باعتبار أن المحكمة الدستورية هي الجهة الوحيدة المخول لها دستوريا الفصل في دستورية النصوص التشريعية، وأن قراراتها تكون نهائية وملزمة لجميع السلطات.
وأكدت المحامية أن لهذه الإحالة أثرا قانونيا مباشرا، يتمثل في توقف مسطرة إصدار القانون، إذ لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذه أو نشره في الجريدة الرسمية إلا بعد صدور قرار المحكمة الدستورية، الذي سيحدد مآل المشروع بشكل نهائي من الناحية الدستورية.
واعتبرت فاطمة الزهراء الإبراهيمي أن اللجوء إلى المحكمة الدستورية كان “خطوة كان لا بد منها”، خصوصا بعد أن تجاوز النقاش المرتبط بمشروع قانون مهنة المحاماة، في نظرها، حدود الاختلاف القانوني الطبيعي، ليتحول في بعض المراحل إلى جدل حاد تخللته مواقف مسبقة وأحكام قطعية بشأن دستورية المشروع، دون انتظار رأي المؤسسة الدستورية المختصة.
وشددت على أن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من منطق المواقف والانطباعات إلى منطق المؤسسات، مشيرة إلى أن المحكمة الدستورية لا تنظر في الخلفيات السياسية أو النقاشات العمومية، وإنما تراقب النصوص القانونية ومدى انسجامها مع أحكام الدستور ومبادئه والاجتهادات الدستورية السابقة.
وأضافت أن القرار المرتقب للمحكمة الدستورية سيحسم الجدل القائم حول المشروع، فإذا قضت بمطابقة جميع مقتضياته للدستور، فإن القانون يكون قد استكمل مختلف مراحله الدستورية والتشريعية، ليحال بعد ذلك إلى جلالة الملك من أجل إصدار الأمر بتنفيذه ونشره في الجريدة الرسمية.
وترى الإبراهيمي أن قرار المطابقة، في هذه الحالة، سيمنح المشروع حصانة دستورية، وينقل النقاش من مرحلة التشكيك في مشروعيته إلى مرحلة تطبيق مقتضياته على أرض الواقع، مع إمكانية إدخال تعديلات تشريعية مستقبلية إذا ارتأى المشرع ضرورة ذلك.
أما في حالة تصريح المحكمة الدستورية بعدم دستورية بعض المقتضيات، فتؤكد المحامية أن المشروع لن يكون قابلا للصدور بصيغته الحالية، حيث سيعاد إلى البرلمان لتعديل المواد المعنية وفقا لتعليل المحكمة، قبل استكمال المسطرة التشريعية من جديد.
وأبرزت أن قرارات المحكمة الدستورية تتمتع بحجية مطلقة، ولا يمكن إعادة اعتماد أي مقتضى سبق التصريح بعدم دستوريته إلا بعد إزالة أسباب المخالفة التي حددتها المحكمة، باعتبار أن اجتهادها الدستوري يلزم مختلف المؤسسات والسلطات.
كما أشارت إلى أن القواعد الدستورية والقانونية تتيح إمكانية استكمال المسطرة التشريعية عبر دورة استثنائية للبرلمان عند توفر الشروط اللازمة، إضافة إلى إمكانية طلب البت في الإحالة داخل آجال مختصرة في الحالات التي تستدعي الاستعجال وفقا للمقتضيات المنظمة لعمل المحكمة الدستورية.
وخلصت المحامية فاطمة الزهراء الإبراهيمي إلى أن الرابح الأكبر من هذه الإحالة هو دولة القانون والمؤسسات، لأن الحسم النهائي في دستورية مشروع قانون مهنة المحاماة لن يكون رهينا بالشعارات أو التأويلات، وإنما بقرار دستوري ملزم للجميع.
وأكدت أن احترام المؤسسات الدستورية يقتضي الاحتكام إليها عند بروز الخلافات القانونية، وقبول ما تنتهي إليه من قرارات، سواء انسجمت مع المواقف السابقة أو خالفتها، باعتبار أن سيادة الدستور تشكل الضمانة الأساسية لإصدار قانون مهني سليم ومحَصّن دستوريا وقابل للتطبيق بثقة واحترام من مختلف الفاعلين.