باريس تنشر أكثر من 4900 شرطي قبل مواجهة المغرب فرنسا وتحذر من “هوليغانز” اليمين المتطرف
زنقة 20 l الرباط
تعيش فرنسا حالة استنفار أمني غير مسبوقة قبل ساعات من المواجهة المرتقبة التي تجمع المنتخبين المغربي والفرنسي، مساء الخميس، ضمن منافسات ربع نهائي كأس العالم 2026، في ظل مخاوف متزايدة لدى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية من احتمال وقوع اضطرابات وأعمال عنف في عدد من المدن الفرنسية، سواء خلال المباراة أو عقب نهايتها.
وكشفت قناة BFMTV الفرنسية، استناداً إلى وثائق ومذكرات أمنية داخلية، أن أجهزة الاستخبارات الإقليمية صنفت مباراة المغرب وفرنسا ضمن المباريات ذات “المخاطر الأمنية الخاصة”، بالنظر إلى طابعها الإقصائي وحساسيتها الرياضية والجماهيرية، وما تمثله من رهانات كبيرة للفريقين في سباق التأهل إلى نصف نهائي كأس العالم.
وأكدت مذكرة صادرة عن جهاز الاستخبارات الترابية الفرنسي أن المباراة تحمل مخاطر مرتفعة، رغم توقيت انطلاقها المتأخر عند الساعة العاشرة ليلاً، مشيرة إلى أن السلطات تتوقع تجمعات كبيرة في الفضاءات العامة، واستعمالاً محتملاً للألعاب النارية والشماريخ، فضلاً عن تنظيم مواكب احتفالية أو احتجاجية، بصرف النظر عن نتيجة اللقاء.
وترى الأجهزة الأمنية الفرنسية أن كل قرار تحكيمي مؤثر أو هدف حاسم أو نتيجة نهائية قد يكون سبباً في خروج جماهير الفريقين إلى الشوارع، سواء للاحتفال أو للتعبير عن خيبة الأمل، الأمر الذي قد يؤدي إلى اضطرابات في حركة السير وتجمعات يصعب التحكم فيها في عدد من المدن.
وأشارت التقارير الأمنية إلى أن احتمال فوز المنتخب المغربي وتأهله إلى نصف النهائي يثير اهتماماً خاصاً لدى الأجهزة المختصة، بالنظر إلى ما يمثله هذا الإنجاز من قيمة رمزية باعتبار المغرب آخر منتخب إفريقي ما زال ينافس على اللقب، وهو ما قد يدفع أعداداً كبيرة من المشجعين إلى الاحتفال في الساحات العامة.
وفي المقابل، حذرت المذكرات الأمنية من خطر تحرك مجموعات من مشجعي “الهوليغانز” المحسوبين على تيارات اليمين المتطرف، معتبرة أن بعض هذه المجموعات قد تستغل أجواء المباراة للتجمع في مراكز المدن ومحاولة الاعتداء على مشجعين مغاربة أو افتعال مواجهات معهم، بغض النظر عن نتيجة المباراة، وهو ما دفع السلطات إلى التشديد على ضرورة تعزيز المراقبة الأمنية في محيط أماكن التجمع وشاشات العرض العمومية.
كما تطرقت المذكرات إلى احتمال ظهور توترات بين بعض المشجعين المغاربة والجزائريين، في ظل ما وصفته بوجود حساسيات رياضية قد تستغلها بعض الأطراف لإثارة الاحتقان، مع الإشارة إلى أن المنتخب المغربي يمثل آخر المنتخبات الإفريقية المشاركة في البطولة.
وفي السياق ذاته، رصدت أجهزة الاستخبارات الفرنسية انتشاراً واسعاً لمنشورات ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تتنبأ بحدوث “فوضى” خلال المباراة، من بينها تسجيلات توثق حرق أو تمزيق العلم المغربي، إلى جانب ادعاءات تفيد بأن جزائريين سيقدمون أنفسهم على أنهم مشجعون مغاربة بهدف ارتكاب أعمال تخريبية والإساءة إلى صورة الجالية المغربية. واعتبرت الأجهزة الأمنية أن عدداً من هذه المنشورات يندرج ضمن حملات تضليل ذات طابع تآمري، بعضها مصدره حسابات أجنبية، داعية إلى التعامل معها بحذر وعدم الانسياق وراء الأخبار غير الموثوقة.
واعتمدت السلطات الفرنسية في تقييمها للمخاطر على سوابق شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها أحداث نصف نهائي كأس العالم 2022 بين المغرب وفرنسا، والتي أعقبتها اضطرابات في عدد من المدن، شملت رشق قوات الأمن بالمقذوفات والألعاب النارية، وإحراق حاويات للنفايات، وإقامة متاريس، وإتلاف مركبات ومرافق عمومية، إضافة إلى اضطرابات واسعة في حركة السير، وأسفرت آنذاك عن توقيف نحو مائة شخص.
كما استحضرت الأجهزة الأمنية أحداث كأس الأمم الإفريقية التي أقيمت بين نهاية سنة 2025 وبداية سنة 2026، والتي شهدت تجمعات احتفالية في مدن فرنسية عدة، تحولت في بعض الحالات إلى مواجهات مع قوات الأمن باستعمال مكثف للألعاب النارية، خاصة عقب تتويج المنتخب المغربي باللقب، حيث سجلت حوادث في مدن من بينها ميلوز وأرجنتوي ومونبولييه وليون وفريجوس وغيرها.
وفي إطار الاستعدادات الأمنية، كان وزير الداخلية الفرنسي قد وجه، منذ فاتح يوليوز، برقية إلى جميع الولاة ومديري الشرطة والدرك، دعاهم فيها إلى اتخاذ كل الإجراءات الضرورية لمنع أي انفلات أمني خلال مباريات كأس العالم، مع التركيز على التصدي السريع لأعمال العنف، ومراقبة استهلاك المشروبات الكحولية، وتأمين المحاور الطرقية، والحد من الجرائم التي قد ترافق التجمعات الجماهيرية، فضلاً عن تعزيز إجراءات السلامة داخل مناطق المشجعين، خاصة في ظل موجة الحرارة التي تعرفها فرنسا.
وختم وزير الداخلية تعليماته بالتأكيد على أن أي تجاوز أو إخلال بالنظام العام لن يتم التساهل معه، وسيقابل برد فوري من مختلف المصالح الأمنية.
ومن جهتها، أعلنت ولاية شرطة باريس تعبئة أمنية واسعة لضمان تأمين المباراة، حيث سيتم نشر أكثر من 4900 عنصر من الشرطة والدرك في العاصمة وضواحيها، مع إغلاق ساحة شارل ديغول المحيطة بقوس النصر أمام حركة السير ابتداءً من الساعة العاشرة ليلاً، مع الإبقاء على شارع الشانزليزيه مفتوحاً أمام الراجلين، إلى جانب تعزيز التواجد الأمني في وسائل النقل العمومي ومناطق التجمعات المعتادة، وتأمين المنشآت الخاصة باحتفالات العيد الوطني الفرنسي المقررة في 14 يوليوز، تحسباً لأي محاولات لاستغلالها أو استهدافها.