زنقة 20 l الرباط
أعاد الحكم القضائي الصادر في حق البرلماني والوزير السابق محمد مبدع الجدل مجددًا حول الأدوار التي لعبتها جمعيات حماية المال العام في تفجير ومتابعة عدد من ملفات الفساد المالي بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الكشف عن أن الشكاية التي أسست لهذا الملف تقدّم بها الفرع الجهوي للجمعية المغربية لحماية المال العام بجهة الدار البيضاء ـ سطات.
ويأتي هذا التطور القضائي في سياق نقاش سياسي وحقوقي متصاعد بشأن مشروع قانون المسطرة الجنائية الذي قدمه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، والذي يتضمن مقتضيات جديدة تقيد إمكانية تحريك المتابعات المرتبطة بجرائم المال العام، عبر حصر حق التبليغ وإقامة الدعاوى في مؤسسات وهيئات رسمية محددة، مع استبعاد الجمعيات المدنية من تقديم الشكايات بشكل مباشر.
ويرى متابعون أن الإشكال لا يرتبط فقط بتعديل قانوني تقني، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة المقاربة التي يؤسس لها النص الجديد، خاصة أن عدداً من ملفات تبديد واختلاس المال العام لم تكن لتصل إلى القضاء لولا المبادرات التي قامت بها جمعيات المجتمع المدني، وفي مقدمتها جمعيات حماية المال العام، في وقت كانت فيه بعض مؤسسات الرقابة أو المتابعة تتحرك ببطء أو تغيب بشكل كامل.
كما يثير هذا التوجه مخاوف بشأن مستقبل الرقابة المجتمعية على تدبير الشأن العام، في ظل التخوف من أن يؤدي تقليص دور الجمعيات إلى إضعاف آليات التبليغ والمساءلة، وحصر محاربة الفساد في نطاق المؤسسات الرسمية وحدها، رغم أن التجارب السابقة أظهرت أهمية التكامل بين المجتمع المدني والهيئات الرقابية والقضائية في كشف ملفات الفساد وتعزيز مبادئ الحكامة والشفافية.
ويعتبر فاعلون حقوقيون أن النقاش الدائر اليوم يتجاوز قضية بعينها، ليطرح أسئلة أعمق حول حدود مشاركة المجتمع المدني في حماية المال العام، ومدى قدرة المنظومة القانونية الجديدة على تحقيق التوازن بين حماية المساطر القضائية وضمان استمرار الرقابة المجتمعية كآلية أساسية في مواجهة الفساد وترسيخ دولة القانون.