زنقة20| الرباط
تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة، وعلى رأسها جهة الداخلة وادي الذهب، أزمة خانقة في قطاع الصيد البحري، تنذر بعواقب بيئية وإقتصادية وإجتماعية وخيمة، في ظل تراجع مقلق للثروة السمكية وغياب شبه كلي للتفاعل الرسمي من الجهات الوصية، وعلى رأسها وزارة الفلاحة والصيد البحري.
_نزيف بيئي بسبب الصيد الجائر والعشوائي:
يعزو مهنيون ومراقبون هذا التدهور المتسارع إلى إستمرار الصيد الجائر والعشوائي طيلة سنوات، مع تواتر استعمال شباك غير قانونية وممنوعة دوليا، ما أدى إلى إستنزاف مخزون الأسماك وتراجع التنوع البيولوجي البحري بالمنطقة.
كما تُشير المعطيات الميدانية، إلى أن كثيرا من قرى الصيد باتت شبه مهجورة، بعد أن إضطر عشرات البحارة إلى مغادرتها رفقة عائلاتهم نحو مدن بالشمال، بسبب تدهور فرص العمل وإنسداد الأفق.
ومن أبرز المؤشرات الصادمة على عمق الأزمة، تحول موانىء بالجنوب إلى شبه موانىء مهجورة، لاسيما ميناء المرسى_بالعيون، بعد أن كان يُعد من بين أهم الموانئ المغربية نشاطا وتنوعا في المنتوجات البحرية، واليوم، أصبح الميناء فارغا تقريبا من الحركة، نتيجة نفاد أنواع متعددة من الأسماك التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، خاصة الأخطبوط والسمك الأبيض.
_غياب كلي لغرف الصيد والمسؤولين عن القطاع:
ورغم حجم الأزمة، يلاحظ المتتبعون غياب غرف الصيد البحري عن المشهد، حيث لم تُصدر أي مواقف أو مبادرات لاحتواء الوضع أو الضغط بإتجاه تدخل حكومي فعال.
واللافت أكثر هو غياب كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري زكية الدريوش، التي لم تخرج بأي تصريح رسمي منذ أشهر، رغم توصلها بتقارير مفصلة من موانئ الجنوب تُحذر من انهيار المخزون السمكي، رغم ان عشرات الأسئلة الشفهية قد سبق وان وُجهت إلى الدريوش من نواب برلمانيين، بعضهم ينتمي إلى نفس حزبها، دون أن تتلقى المؤسسة التشريعية أي رد يُذكر، مما يُكرس أزمة الثقة بين الوزارة والمهنيين.
_توزيع سياسي للرخص وإحتكار الدعم:
لازالت تتعالى الإنتقادات بشأن الطريقة التي تُوزع بها رخص الصيد، والتي يرى مراقبون أنها تُمنح في كثير من الأحيان في إطار إرضاءات سياسية لا تأخذ بعين الاعتبار مبدأ العدالة أو الكفاءة المهنية.
وفي المقابل، تقول مصادر مهنية إن أغلب التعاونيات التي تستفيد من دعم الوزارة تنتمي سياسيا لنفس الحزب الذي تمثله كاتبة الدولة، وهو ما اعتُبر غطاء على فشل مزمن لكاتبة الدولة في تدبير القطاع.
_اتفاقيات دولية مجمدة وغياب رؤية دبلوماسية:
الأزمة لا تتوقف عند الجانب المحلي، بل تشمل أيضا العلاقات الدولية، حيث فشلت وزارة الدريوش في تجديد اتفاقيات الصيد البحري مع شركاء استراتيجيين مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا، في حين اقتصرت الاتفاقات مع موريتانيا على تفاهمات “ورقية” لم تُترجم على الأرض بأي أثر فعلي.
_قطاع في قبضة رجال أعمال وانتخابويين:
مؤشرات أخرى مثيرة للقلق ترتبط بتزايد عدد المستثمرين الذين يفتتحون وحدات ومشاريع مرتبطة بالصيد البحري في فترات تسبق الاستحقاقات الانتخابية، ما يُثير شكوكا حول استغلال القطاع لأغراض انتخابوية وتكريس منطق الريع والفساد.
واخيرا فإن قطاع الصيد البحري يمر بلحظة مفصلية تهدد مستقبل الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني وتفرض تحركا عاجلا يعيد الاعتبار للثروة البحرية المغربية، كما أن السكوت الممنهج وغياب المساءلة، وإستمرار منطق المحاباة السياسية، كلها عوامل قد تؤدي إلى نتائج كارثية، ليس فقط على البيئة، بل على إستقرار إجتماعي هش قائم على هذا النشاط البحري الحيوي.
فمن يتحمل مسؤولية ما يجري بهذا القطاع الحيوي ؟ ومن يملك الشجاعة السياسية للإعلان عن خطة إنقاذ حقيقية، بدل الإختباء وراء تقارير وإحصائيات لم تعد تقنع أحد.