برلمان ورئيس حكومة جهوية.. صحف إسبانية تنشر تفاصيل 40 صفحة من مخطط الحكم الذاتي بالصحراء المغربية

زنقة 20 l الرباط

قدّم وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، خلال محادثات مدريد، النص الموسّع لمخطط الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، وهو نص تقني من حوالي 40 صفحة، يعكس انتقال المبادرة المغربية من تصور سياسي عام إلى مشروع قانوني ومؤسساتي متكامل، تم إعداده بتكليف مباشر من الملك محمد السادس، وبإشراف ثلاثة مستشارين ملكيين، هم الطيب الفاسي الفهري، عمر عزيمان، وفؤاد عالي الهمة.

و نشرت صحف إسبانية تفاصيل خطة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب من بينها صحيفة أتالايار.

و تم اعتماد الوثيقة الجديدة كـ“وثيقة تقنية” خلال اجتماع مدريد، على أن تشتغل عليها لجنة من الخبراء والتقنيين من المغرب والجزائر وموريتانيا، في أفق اجتماعات رفيعة المستوى مرتقبة خلال شهري أبريل أو ماي بواشنطن.

أسس قانونية ودستورية دقيقة

ينطلق النص من مبادرة 2007 المقدمة إلى الأمم المتحدة، لكنه يعيد صياغتها في قالب قانوني منظم، مادةً بمادة، مع إدراج تعريفات قانونية دقيقة، وآليات للتأويل، ومقتضيات انتقالية، وضوابط للملاءمة الدستورية، ما يجعله أقرب إلى نظام أساسي للحكم الذاتي، قابل للمقارنة مع أنظمة الحكم الذاتي المعتمدة في عدد من الدول الأوروبية.

ويعتمد المشروع توزيعاً واضحاً للاختصاصات، حيث يحتفظ الدولة باختصاصات حصرية تشمل الدفاع الوطني، الأمن الاستراتيجي، السياسة الخارجية، التمثيل الدبلوماسي، العملة، السياسة النقدية، الجنسية، الرموز السيادية، والنظام القضائي ، وهي مجالات مستثناة من أي تفويض أو تقاسم مع الجهة.

اختصاصات جهوية واسعة تحت مبدأ الولاء الدستوري

في المقابل، يمنح النص للجهة صلاحيات تشريعية وتنظيمية واسعة في مجالات التخطيط الترابي، التعمير، التنمية الاقتصادية، السياحة، الصناعة، الصيد البحري، الصحة، التعليم، البيئة، تدبير المياه والطاقة، إضافة إلى النهوض بالثقافة الحسانية، مع التنصيص الصريح على مبدأ “الولاء الدستوري” باعتباره قاعدة حاكمة لممارسة السلطة الجهوية في إطار وحدة الدولة وتماسكها.

كما ينص المشروع على آلية استثنائية تمكّن الدولة من التدخل المؤقت لتعليق بعض الصلاحيات الجهوية في حال وجود تهديد خطير للنظام الدستوري أو للوحدة الترابية، وفق مساطر مضبوطة وتحت رقابة قانونية صارمة.

تنظيم مؤسساتي وتمثيلية مزدوجة

يقترح النص إحداث برلمان جهوي أحادي الغرفة، يقوم على شرعية مزدوجة، تجمع بين أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر وفق نظام التمثيل النسبي، وأعضاء يتم تعيينهم من طرف القبائل الصحراوية المعترف بها، وفق معايير وإجراءات مضبوطة بنص قانوني، مع إقرار كوطا نسائية إلزامية لضمان تمثيلية فعلية للنساء.

ويحتفظ ممثلو الجهة بعضويتهم داخل البرلمان الوطني، بما يضمن المشاركة الكاملة للإقليم في القرار السيادي الوطني، إلى جانب إحداث مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي جهوي، يضم مختلف الفاعلين، وتكون آراؤه استشارية إلزامية في القضايا المالية والميزانية.

سلطة تنفيذية مندمجة في الوحدة الوطنية

يقود السلطة التنفيذية الجهوية رئيس حكومة يتم تنصيبه وفق آلية مؤسساتية بإشراف ملكي، في إطار يهدف إلى ضمان الانسجام الدستوري ووحدة الدولة، وهو ما يشكل إحدى نقاط الخلاف مع جبهة البوليساريو التي تطالب بانتخاب مباشر لرئيس السلطة التنفيذية الجهوية.

ويتمتع رئيس الحكومة الجهوية بسلطة تنظيمية، ويشرف على الإدارة الجهوية، ويعين كبار المسؤولين، كما يمكن مساءلته سياسياً عبر آلية ملتمس رقابة بنّاء، مع قيامه في الوقت ذاته بدور ممثل الدولة داخل الجهة.

نظام قضائي وجهوي ورقابة دستورية

ينص المشروع على إحداث محاكم جهوية ابتدائية واستئنافية مختصة بتطبيق القوانين الجهوية، تصدر أحكامها باسم الملك، إلى جانب محكمة جهوية عليا، مع الإبقاء على الرقابة الدستورية الوطنية، وإقرار آلية خاصة لتدبير النزاعات الاختصاصية بين الدولة والجهة، تبدأ بمسطرة تشاور داخل لجنة مشتركة قبل اللجوء إلى القضاء الدستوري.

منظومة مالية واقتصادية مضبوطة

يعتمد النظام المالي الجهوي على موارد ذاتية تشمل ضرائب ترابية محددة، وعائدات استغلال الموارد الطبيعية، وحصة من المداخيل الوطنية المحصلة داخل الإقليم، مع إخضاع الميزانية الجهوية لآليات صارمة للانضباط المالي والتنسيق الماكرو-اقتصادي.

كما يقر النص آلية تضامن وطني، تتيح مساهمة الجهة في الميزانية العامة مع استفادتها من صندوق توازن، تحت رقابة المجلس الأعلى للحسابات، مع حماية خاصة للأراضي الجماعية، وتنظيم دقيق للاستثمارات الأجنبية عبر مراقبة مزدوجة جهوية ووطنية.

مصالحة وانتقال منظم

يتضمن المشروع مقتضيات خاصة بتنظيم عودة سكان مخيمات تندوف، عبر إحداث لجنة دائمة للتحقق من الهوية والتسجيل والأهلية، مع آليات للطعن والتتبع، إضافة إلى برنامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، مقرون بعفو منظم يستثني الجرائم المشمولة بالقانون الدولي.

إدماج دستوري وضمانات سيادية

يقترح النص إخضاع نظام الحكم الذاتي لاستفتاء وطني يشارك فيه عموم الناخبين المغاربة، مع إدماجه في الدستور ضمن عنوان خاص محصّن، والتنصيص على مساطر مشددة لأي تعديل مستقبلي، وبند صريح يمنع أي
تأويل يمكن أن يفتح الباب أمام الانفصال.

كما يؤكد المشروع أن الرموز السيادية تظل من الاختصاص الحصري للدولة، مع الاعتراف بالهوية الحسانية كمكون من مكونات الهوية المغربية، وإحداث مؤسسة جهوية خاصة بحمايتها والنهوض بها، مع منع أي شكل من أشكال الدبلوماسية الموازية.

نحو حل نهائي مؤطر دستورياً

وبحسب مصادر قريبة من تنسيق هذا العمل، فإن النموذج المقترح لا يشكل نقلاً حرفياً لتجارب أجنبية، بل استلهاماً مدروساً لآليات ناجحة، خصوصاً في إسبانيا وغرينلاند، مع تكييفها مع الخصوصية الدستورية المغربية والطابع الموحد للدولة، بما يجعل الحكم الذاتي التزاماً سياسياً وقانونياً مدمجاً في قمة الهرم الدستوري، دون المساس بالسيادة الوطنية.

ويؤكد النص، الذي لا يزال في طور التطوير ولم يُنشر بعد، أن مسار الحكم الذاتي دخل مرحلة جديدة، أكثر دقة وتنظيماً، في أفق تسوية سياسية دائمة للنزاع حول الصحراء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد