زنقة 20 ا الرباط
يعكس اختيار رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، المجيء إلى البرلمان بمبادرة منه إرادة سياسية قوية في إرساء تقليد ديمقراطي جديد، يبتعد عن منطق الانتظار حتى اللحظات الأخيرة. ومن الحسنات السياسية لتقديم الحصيلة الحكومية في وقت مبكر، أنه يتيح فتح نقاش سياسي حقيقي داخل المؤسسة التشريعية قبل دخول مرحلة “الصمت” أو “الحرب الانتخابية” التي تطغى عليها الحسابات الضيقة؛ وهذا هو أول درس يستخلص من مبادرة أخنوش الدستورية.
أما الدرس الديمقراطي الثاني الذي أعطاه أخنوش، فهو التحرر من الحسابات الانتخابوية والشعبوية. فكلمة رئيس الحكومة أمام ممثلي الأمة تظهر أن الرجل اختار عدم استغلال الحصيلة انتخابيا عبر تأجيلها إلى شهر يوليوز كما فعل رؤساء حكومات سابقون، بل فضل عرضها في وقت يسمح بنقدها ومناقشتها موضوعيا، وفي ذلك تجسيد للثقة في أن العمل الميداني هو الذي يتحدث عن نفسه.
ويتمثل الدرس الثالث في إثبات الفاعلية في تنزيل الأوراش الملكية، حيث يأتي تقديم الحصيلة الآن للتأكيد على أن هذه الحكومة هي “حكومة تنزيل الأوراش الملكية” بامتياز، خاصة بعد النجاح في إخراج مشاريع كبرى كانت معلقة لسنوات، مثل تعميم الحماية الاجتماعية. وفي ذلك تأكيد على الوفاء بالالتزامات، عبر نقل التوجيهات الملكية والبرنامج الحكومي إلى واقع يلمسه المواطن في كل ربوع المملكة.
بينما يركز الدرس الرابع على إبراز “صلابة الاقتصاد الوطني” في مواجهة الأزمات. فالتوقيت الذي اختاره رئيس السلطة التنفيذية يروم إظهار قدرة الحكومة على الصمود رغم تتابع الأزمات، من تداعيات كوفيد وتوالي سنوات الجفاف، إلى الحرب الروسية الأوكرانية وزلزال الحوز والفيضانات، وصولا إلى تقلبات الوضع الدولي الراهن.
الدرس الخامس يتجلى في النجاح في المزاوجة بين الهيكلي والظرفي؛ إذ يوضح تقديم الحصيلة في هذا التوقيت كيف نجحت الحكومة في الحفاظ على التوازنات الكبرى للدولة مع الاستمرار في الإصلاحات الهيكلية لبناء “المغرب الصاعد”، دون أن تؤثر الإجراءات الاستعجالية لمواجهة الأزمات على المسار التنموي طويل الأمد للبلاد.
أما الدرس الديمقراطي السادس، فيقوم على القطع مع سلبيات التجارب السابقة. حيث يعزز التوقيت صورة الحكومة القوية والمتماسكة التي تعمل في صمت بعيدا عن السجالات الهامشية، وهو ما يكرس قطيعة حقيقية مع ممارسات اتسمت سابقا بالتشتت، أو الفشل في التنفيذ، أو التراشق بين المكونات السياسية.