زنقة 20 | الرباط
يرى إدريس الفينة، باحث وخبير اقتصادي، أن القطاع الفلاحي في المغرب ما يزال يعيش مفارقة واضحة فهو قطاع استراتيجي للأمن الغذائي والتشغيل والاستقرار الاجتماعي، لكنه شديد الارتهان للتقلبات المناخية وضعف الإنتاجية في جزء واسع من الضيعات.
إدريس الفينة، رئيس مركز المستقبل للتحليلات الاستراتيجية، يوضح أن الفلاحة والغابات والصيد ساهمت بحوالي 10.09% من الناتج الداخلي الإجمالي المغربي سنة 2024. هذه النسبة اعتبرها مهمة، لكنها تخفي هشاشة بنيوية، إذ يتغير أداء القطاع بقوة تبعًا للأمطار أكثر مما يتغير بفعل التحسن المستدام في الإنتاجية والتكنولوجيا.
ويؤكد الفينة، أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بأساليب الفلاحين التقليدية، بل أيضًا ببطء التحول نحو فلاحة عالية المردودية، حيث سجل أنه رغم نجاح فئة من المنتجين في تبني التقنيات الحديثة والري الموضعي والتدبير الرقمي والجودة الموجهة للتصدير، إلا أن هذا النجاح لم يتحول بعد إلى قاعدة عامة داخل القطاع.
و اشار الخبير المغربي الى أن وزارة الفلاحة وضعت ضمن أهداف استراتيجية “الجيل الأخضر 2030” رفع المردودية بـ1.5 مرة ومضاعفة الناتج الفلاحي ليبلغ بين 200 و250 مليار درهم بحلول 2030، وهو اعتراف ضمني بأن مستويات الإنتاج الحالية ما تزال دون الإمكانات المتاحة.
رئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية، يوضح أن الحملة الفلاحية 2024/2025 تهدف إلى توسيع الزرع المباشر إلى 260 ألف هكتار مع هدف بلوغ مليون هكتار بحلول 2030، إضافة إلى توسيع السقي التكميلي للحبوب نحو مليون هكتار على المدى نفسه، إلا أن الأرقام المرتبطة بالإنتاج تكشف حجم الخلل بوضوح.
فإنتاج الحبوب في المغرب سنة 2025 قُدّر بنحو 4.5 ملايين طن فقط، أي أقل بحوالي 13% من المتوسط بسبب استمرار الجفاف وضعف التساقطات في المراحل الحاسمة من الموسم. وفي الموسم 2025/2026 يُتوقع أن تبلغ حاجيات المغرب من واردات الحبوب حوالي 11 مليون طن، أي أعلى بنحو 20% من المتوسط، فيما تتوقع التقارير الدولية ارتفاع واردات القمح إلى 7.5 ملايين طن، أي بزيادة 52% فوق متوسط عشر سنوات.
الخبير الاقتصادي، يرى أن انعكاس هذه الهشاشة يظهر مباشرة في الأسعار وسوق الشغل القروي. ففي 2025 ارتفع متوسط الرقم الاستدلالي السنوي للأثمان عند الاستهلاك بـ0.8%، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنفس المعدل، مع ضغط أكبر في بعض المواد مثل اللحوم والأسماك. أما سوق الشغل، فقد شهد في الربع الثاني من 2025 فقدان 107 آلاف منصب في الوسط القروي مقابل إحداث 113 ألف منصب في المدن، ما يبرز أن ضعف المردودية الفلاحية يضرب الدخل القروي والاستقرار الاجتماعي.
الفينة، يؤكد أن جوهر الأزمة ليس في الإنتاج وحده، بل في النموذج الاقتصادي الذي يحكم القطاع. عندما يبقى جزء مهم من العرض الفلاحي معتمداً على الأمطار، وعندما تتسع الفجوة بين الفلاحة العصرية الموجهة للأسواق ذات القيمة المضافة العالية والفلاحة الصغيرة الأقل تجهيزًا، فإن النتيجة تكون مزدوجة مردودية غير مستقرة وأسعار لا تعكس دائمًا تحسنًا حقيقيًا في الكفاءة. واستمرار الدعم العمومي يجب أن يقابله تقييم صارم للأثر.
إدريس الفينة، الباحث والخبير المغربي، يؤكد أن الإصلاح المطلوب اليوم لا يمر فقط عبر رفع ميزانيات القطاع، بل عبر إعادة ترتيب الأولويات الماء أولًا، ثم الإنتاجية، ثم التنظيم السوقي. المطلوب هو تعميم التقنيات التي ترفع المردودية وتقلص التبعية للمطر، وتسريع رقمنة الخدمات والإرشاد الفلاحي، وربط الدعم بالنتائج القابلة للقياس، وتقوية سلاسل التجميع والتخزين والتبريد والتسويق حتى لا ينتقل ضعف الكفاءة من الحقل إلى السوق.
و يؤكد الخبير المغربي، أن رغم كل الاستراتيجيات والميزانيات، ما تزال النتيجة نفسها تتكرر مردودية ضعيفة في جزء كبير من القطاع، وأسعار مرتفعة في السوق، واعتماد مستمر على الاستيراد.
وخلص الى أن المشكلة ليست فقط في الجفاف أو تقلبات السوق، بل في نموذج فلاحي يحتاج إلى مراجعة جذرية مؤكدا أن المغرب في حاجة إلى فلاحة ترفع الإنتاجية فعلاً، وتحمي الأمن الغذائي، وتخفف الضغط على القدرة الشرائية، لا إلى أرقام وبرامج لا يشعر المواطن بأثرها في السوق.
ليس لكم غير هذه الصورة في رفوفكم؟