زنقة20ا الرباط
أكد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، محمد بنعليلو، أن الرهان الجبائي في المغرب لم يعد يقتصر على تعبئة الموارد المالية أو تحديث المنظومة القانونية، بل أصبح يرتبط ببناء نظام ضريبي قادر على ترسيخ الثقة بين الدولة والملزمين، بما يعزز الامتثال الطوعي ويكرس العدالة الجبائية.
وأوضح بنعليلو، خلال مشاركته، أمس الجمعة، في أشغال المنتدى الثالث لأساتذة المالية العامة المنعقد بمدينة طنجة تحت شعار “السياسة الجبائية في المغرب على محك المواطنة الضريبية”، أن الضريبة ليست مجرد التزام قانوني أو وسيلة لتمويل النفقات العمومية، بل تمثل تجسيداً لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتستمد مشروعيتها من شعور المواطنين والمقاولات بعدالة توزيع الأعباء والمنافع، ومن تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.
وأشار إلى أن نجاح الإصلاحات الجبائية لا يقاس فقط بتعديل النصوص القانونية، وإنما بقدرتها على تغيير سلوك الملزمين وتعزيز ثقتهم في الإدارة، من خلال تبسيط المساطر، وتحسين جودة الخدمات، وضمان استقرار ووضوح القواعد الجبائية، وتسريع البت في المنازعات، بما يجعل تجربة الملزم مع الإدارة أكثر شفافية وفعالية.
وأكد رئيس الهيئة أن العدالة الجبائية تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية، تتمثل في عدالة توزيع العبء الضريبي، وعدالة الاستفادة من الخدمات العمومية، وعدالة تطبيق القانون على جميع الملزمين دون استثناء، معتبراً أن أي اختلال في أحد هذه الجوانب ينعكس سلباً على الثقة في المنظومة الضريبية ومستوى الامتثال الطوعي.
وفي السياق ذاته، شدد على أن توسيع الوعاء الضريبي ينبغي أن يكون مدخلاً لتحقيق الإنصاف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وليس مجرد وسيلة لزيادة المداخيل، مبرزاً أن استمرار جزء من الأنشطة الاقتصادية خارج المنظومة الضريبية يثقل كاهل الملتزمين ويقوض مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة.
كما دعا إلى إخضاع الإعفاءات والتحفيزات الجبائية لتقييم دوري يضمن نجاعتها وارتباطها بالأهداف الاقتصادية والاجتماعية، محذراً من تحولها إلى امتيازات دائمة قد تمس بمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الضريبية.
واعتبر بنعليلو أن الفساد والتهرب الضريبي والاقتصاد غير المهيكل تمثل مظاهر مترابطة لاختلال واحد يتمثل في ضعف سيادة القانون والمساواة أمام الالتزامات العامة، مؤكداً أن تعزيز النزاهة يعد مدخلاً أساسياً لإرساء نظام جبائي أكثر عدالة وفعالية.
ودعا إلى اعتماد مقاربة استباقية في تدبير المخاطر، تقوم على تكامل المعطيات وتحليلها والحد من مواطن الهشاشة التي تسمح بانتشار الفساد أو التهرب الضريبي، بما يعزز فعالية التدخل العمومي ويكرس الثقة في المؤسسات.
وختم رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها بالتأكيد على أن مستقبل السياسة الجبائية رهين بقدرتها على بناء شرعية ضريبية تجعل الامتثال للقانون الخيار الطبيعي، وترسخ الثقة باعتبارها الركيزة الأساسية لتوسيع الوعاء الضريبي، وتقوية شرعية الدولة، ودعم مسار التنمية المستدامة.