زنقة 20 l الرباط
أعاد التتويج الإسباني بلقب كأس العالم 2026 النقاش حول قضايا الهوية والانتماء الوطني إلى صدارة المشهد العالمي، بعدما تحول النجم الشاب لامين يامال، المنحدر من أصول مغربية وغينية استوائية، إلى أحد أبرز رموز البطولة. ولم يعد الحديث مقتصرًا على الأداء الرياضي أو الإنجازات داخل المستطيل الأخضر، بل امتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بالمواطنة، والهجرة، والاندماج، وحدود الانتماء في المجتمعات الحديثة التي أصبحت أكثر تنوعًا من أي وقت مضى.
وسلطت مجلة TIME Africa الضوء على هذا التحول من خلال مقال بعنوان “من ينتمي؟”، اعتبرت فيه أن كرة القدم باتت مرآة تعكس التحولات الاجتماعية والسياسية التي تعرفها الدول، حيث أصبحت المنتخبات الوطنية تضم لاعبين من خلفيات ثقافية وإثنية متعددة، ولدوا ونشأوا في البلدان التي يمثلونها، وأصبحوا جزءًا أصيلًا من نسيجها الوطني. ورغم ذلك، لا تزال بعض الأصوات تربط الانتماء بالأصول العرقية أكثر من ارتباطه بالمواطنة أو المشاركة الفعلية في بناء المجتمع.
ويرى المقال أن لامين يامال لم يكن مجرد لاعب قاد منتخب بلاده نحو التتويج العالمي، بل أصبح رمزًا لجيل جديد يحمل هويات متعددة دون أن يرى فيها أي تناقض. فقد وُلد وترعرع في إسبانيا، وتلقى تكوينه الرياضي داخل مؤسساتها، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بجذوره العائلية المغربية والإفريقية، وهو ما يعكس واقعًا تعيشه ملايين الأسر في أوروبا والعالم، حيث تتداخل الانتماءات الثقافية والوطنية في إطار مجتمع واحد.
ويؤكد التقرير أن هذه الظاهرة لا تقتصر على إسبانيا، بل تشمل دولًا أوروبية عديدة مثل فرنسا وإنجلترا وألمانيا وهولندا وبلجيكا والبرتغال، التي أصبحت ملاعب كرة القدم فيها ساحة تعكس النقاشات المجتمعية حول الهجرة والمواطنة والهوية. فحين يحقق اللاعبون النجاحات يُحتفى بهم بوصفهم أبطالًا وطنيين، بينما تعود أصولهم إلى دائرة الجدل عند الإخفاق، وهو ما يكشف استمرار بعض الأحكام المسبقة رغم تغير تركيبة المجتمعات.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب بوصفه أحد أبرز النماذج التي نجحت في تحويل التنوع إلى مصدر قوة داخل كرة القدم. فقد تمكنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، خلال السنوات الأخيرة، من بناء منتخب يجمع بين لاعبين نشأوا داخل المملكة وآخرين ولدوا وترعرعوا في أوروبا، لكنهم اختاروا تمثيل وطنهم الأم ارتباطًا بجذورهم العائلية والثقافية، في تجربة أثبتت أن الهوية الوطنية يمكن أن تتسع لتعدد المسارات والخلفيات دون أن تفقد تماسكها.
كما يعكس هذا النموذج خصوصية المغرب باعتباره بلدًا يمتلك جالية واسعة منتشرة في مختلف أنحاء العالم، استطاعت الحفاظ على روابطها الثقافية والوطنية عبر الأجيال، وهو ما ساهم في بروز عدد كبير من المواهب الرياضية التي فضلت الدفاع عن ألوان المنتخب المغربي رغم امتلاكها جنسيات أخرى. وقد شكل هذا التوجه أحد أهم عوامل النجاح التي قادت “أسود الأطلس” إلى تحقيق إنجازات تاريخية على الساحة الدولية.
ولم تغفل المقالة الدور المتزايد لإفريقيا في تشكيل ملامح كرة القدم العالمية، مؤكدة أن القارة أصبحت حاضرة بقوة في أكبر المنتخبات والبطولات، سواء عبر لاعبين يمثلون بلدانهم الأصلية أو آخرين يحملون جنسيات دول مختلفة مع احتفاظهم بجذور إفريقية. وترى أن هذه الظاهرة لا تعكس ازدواجية في الولاء، بل تجسد ترابطًا إنسانيًا وثقافيًا متزايدًا بين القارات، في عالم أصبحت فيه الهجرة والتعدد الثقافي جزءًا من الواقع اليومي.
وتخلص المجلة إلى أن كأس العالم 2026 لم يكن مجرد بطولة لتحديد أفضل منتخب في العالم، بل محطة كشفت بوضوح التحولات التي تشهدها المجتمعات الحديثة. فقصص لاعبين مثل لامين يامال تؤكد أن الهوية الوطنية لم تعد تُقاس بالأصل وحده، بل بالمواطنة والمشاركة والانتماء الفعلي للمجتمع، وأن كرة القدم أصبحت أكثر من مجرد لعبة، إذ تحولت إلى منصة عالمية تعكس ملامح عالم يتغير باستمرار، ويعيد صياغة مفهوم الأمة والانتماء في القرن الحادي والعشرين.