لا توجد مباريات

لا توجد مباريات

برنامج الأحرار 2021-2026.. رؤية تجعل الماء رافعة للتنمية الترابية والسيادة الاقتصادية

زنقة 20. الرباط

في وقت أصبح فيه الإجهاد المائي أحد أكبر التحديات التي تواجه المغرب، نتيجة توالي سنوات الجفاف وتسارع آثار التغيرات المناخية، اختار حزب التجمع الوطني للأحرار أن يضع ملف الماء في صلب مشروعه التنموي للفترة 2021-2026. ولم يكن ذلك من باب معالجة أزمة ظرفية، بل انطلاقا من قناعة استراتيجية مفادها أن أمن المغرب المائي أصبح شرطا أساسيا لأمنه الغذائي، واستقراره الاجتماعي، وقدرته على مواصلة النمو الاقتصادي.

وما يميز هذا التصور أنه لا ينظر إلى الماء باعتباره مجرد مورد طبيعي يحتاج إلى حسن التدبير، ولا باعتباره قطاعا خدماتيا يقتصر دوره على تزويد المواطنين بالماء الصالح للشرب، بل يقدمه باعتباره رأسمالا استراتيجيا ومحركا حقيقيا للتنمية الترابية. فمن دون موارد مائية مؤمنة ومستدامة، يصعب الحديث عن فلاحة تنافسية، أو صناعة مستقرة، أو استثمارات منتجة، أو تنمية مجالية متوازنة.

وانطلاقا من هذه الرؤية، يقترح البرنامج الانتقال من سياسة تقوم على تدبير آثار الندرة إلى سياسة استباقية تبني منظومة مائية وطنية أكثر صلابة وقدرة على مواجهة التقلبات المناخية.

ولذلك يرتكز “برنامج الأحرار” على ثلاثة محاور مترابطة: تعزيز البنية التحتية للسدود، وتسريع الربط بين الأحواض المائية، والتوسع في تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة. وهي ليست مشاريع منفصلة، بل مكونات لنموذج متكامل يهدف إلى تنويع مصادر التزود بالماء، وتقليص التبعية للتساقطات المطرية، وضمان استدامة الموارد المائية على المدى الطويل.

ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة لأنه يربط بين الأمن المائي والعدالة المجالية. فرفع الطاقة التخزينية للسدود من حوالي 21 مليار متر مكعب حاليا إلى نحو 26 مليار متر مكعب في أفق 2031، إلى جانب تسريع مشاريع الربط بين الأحواض، لا يهدف فقط إلى توفير احتياطات إضافية، بل إلى ترسيخ مبدأ التضامن المائي بين الجهات، من خلال نقل المياه من المناطق التي تتوفر على فائض نسبي إلى المناطق الأكثر خصاصا. وبهذا يتحول الماء إلى أداة لتقليص الفوارق المجالية، بدل أن يكون عاملا لتكريسها.

كما يمنح البرنامج مكانة مركزية لتحلية مياه البحر، باعتبارها أحد الخيارات الاستراتيجية التي تمنح المغرب استقلالية أكبر في تأمين حاجياته المائية، خاصة بالمناطق الساحلية التي تحتضن النسبة الأكبر من السكان والأنشطة الاقتصادية.

وإلى جانب ذلك، يشجع على توسيع إعادة استعمال المياه العادمة، بما يعزز النجاعة في تدبير الموارد، ويكرس ثقافة الاقتصاد في الماء، ويخفف الضغط على الموارد التقليدية.

غير أن قوة هذه الرؤية لا تكمن فقط في بعدها التقني، وإنما في آثارها الاقتصادية والاجتماعية المباشرة.

فالبرنامج ينظر إلى الاستثمار في الماء باعتباره استثمارا في التنمية. فالسدود، والربط بين الأحواض، والتحلية، والتهيئة الهيدروفلاحية، ليست مجرد أوراش للبنية التحتية، بل أدوات لإطلاق ديناميات اقتصادية جديدة داخل مختلف الجهات، عبر توسيع المساحات المسقية، وتحفيز الاستثمار الفلاحي، ورفع الإنتاجية، وإحداث فرص شغل قارة، وتعزيز استقرار الساكنة بالعالم القروي، بما يحد من الهجرة القسرية ويقوي التماسك الاجتماعي.

ولم يغفل البرنامج الحلول ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين، إذ يقترح إجراءات عملية لفائدة المناطق التي تعاني من الإجهاد المائي، من خلال تطوير حلول “نقطة الاستهلاك الأخيرة”، والربط الانفرادي متعدد الوظائف بصهاريج المياه، وتشجيع تجميع مياه الأمطار، ودعم أنظمة الري الموضعي، وتأمين الإمدادات خلال فترات الجفاف.

ويعكس ذلك رؤية تجعل العدالة في الولوج إلى الماء جزءا من العدالة الاجتماعية والمجالية.
في المحصلة، يقدم برنامج التجمع الوطني للأحرار مقاربة تتجاوز منطق تدبير أزمة الماء إلى بناء سياسة مائية جديدة تجعل هذا المورد الاستراتيجي رافعة للنمو والتنمية.

فالمعادلة التي يطرحها البرنامج واضحة: كل استثمار في الماء هو استثمار في الأمن الغذائي، وفي استقرار العالم القروي، وفي جاذبية الاستثمار، وفي تنافسية الاقتصاد الوطني. ومن ثم، فإن الرهان لم يعد يقتصر على مواجهة ندرة المياه، بل على تحويل هذا التحدي إلى فرصة لإعادة تشكيل الخريطة التنموية للمملكة، وترسيخ نموذج أكثر صمودا وعدالة واستدامة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد