زنقة 20 l الرباط
تدخل الأقاليم الجنوبية للمملكة مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى طبيعة النخب التي ستقود المرحلة المقبلة، في ظل الزخم الذي تعرفه قضية الصحراء المغربية، والتقدم الذي حققته المملكة على المستوى الدبلوماسي، وما يرافق ذلك من استعدادات لتهيئة الظروف المؤسساتية والسياسية لتنزيل مشروع الحكم الذاتي.
ورغم التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة على مستوى البنيات التحتية والاستثمارات الكبرى والتنمية الاقتصادية، فإن المشهد السياسي المحلي لا يزال، في كثير من الأحيان، أسير منطق إعادة إنتاج النخب نفسها، عبر آليات التزكية والتحالفات التقليدية، بما يحد من فرص بروز كفاءات جديدة قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية.
وتبرز مع كل محطة انتخابية صراعات حادة حول التزكيات الحزبية، غير أن جوهر هذه المنافسة لا يتعلق دائماً بتقديم مشاريع تنموية أو رؤى لتدبير الشأن المحلي، بقدر ما يرتبط بالصراع حول المواقع والتموقع داخل مراكز القرار. ويؤدي هذا الواقع إلى استمرار الوجوه ذاتها في تدبير المؤسسات المنتخبة، مع اختلاف الانتماءات الحزبية أحياناً، بينما تبقى أساليب التدبير وآليات الاشتغال شبه ثابتة.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة النخب الحالية على مواكبة المرحلة المقبلة، خاصة أن مشروع الحكم الذاتي، باعتباره ورشاً وطنياً واستراتيجياً، لا يحتاج فقط إلى مؤسسات قانونية، بل يتطلب أيضاً رأسمالاً بشرياً وسياسياً يمتلك الكفاءة والخبرة والرؤية الاستشرافية لتدبير اختصاصات موسعة وفق مبادئ الحكامة الجيدة.
فنجاح هذا المشروع يظل رهيناً بوجود منتخبين وفاعلين سياسيين قادرين على الانتقال من تدبير الشأن المحلي بمنطق انتخابي ضيق إلى ممارسة مسؤوليات مؤسساتية تتطلب التخطيط، واستقطاب الاستثمار، وتحقيق العدالة المجالية، وتعزيز التنمية المستدامة، وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات.
كما أن استمرار إعادة إنتاج النخب نفسها قد يفرغ الدينامية السياسية من مضمونها، ويؤثر على قدرة الأحزاب على تجديد خطابها واستقطاب الكفاءات الشابة، وهو ما ينعكس سلباً على جودة التمثيلية وعلى فعالية المؤسسات المنتخبة في مواكبة التحولات التي تعرفها المنطقة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الأحزاب السياسية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في معايير اختيار مرشحيها، وجعل الكفاءة والنزاهة وحصيلة الإنجاز عناصر حاسمة في منح التزكيات، بدل الارتهان للاعتبارات التقليدية أو موازين النفوذ المحلية. كما أن توسيع مشاركة الشباب والنساء والأطر المؤهلة من شأنه أن يمنح الحياة السياسية بالأقاليم الجنوبية نفساً جديداً يتلاءم مع طبيعة المرحلة.
ولا يمكن فصل إصلاح المشهد السياسي المحلي عن الرؤية الوطنية الشاملة لتطوير الأقاليم الجنوبية، باعتبارها فضاءً استراتيجياً للاستثمار والتنمية والانفتاح على العمق الإفريقي. فالمشاريع الاقتصادية الكبرى التي أطلقتها الدولة تحتاج إلى نخب سياسية تمتلك القدرة على مواكبتها وتأطيرها وتحويلها إلى فرص حقيقية للتنمية وخلق الثروة وتحسين جودة الخدمات العمومية.
وبحسب مهتمين فإن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق تدبير الانتخابات إلى منطق بناء المؤسسات، ومن المنافسة على التزكيات إلى التنافس حول البرامج والكفاءات. فالأقاليم الجنوبية، وهي تستعد لمرحلة مفصلية في مسار قضية الصحراء المغربية، تحتاج إلى نخبة سياسية متجددة قادرة على مواكبة التحولات الوطنية والدولية، وتجسيد مضامين مشروع الحكم الذاتي على أرض الواقع.