زنقة 20 | الرباط
بقلم : علي الإدريسي
يعد الهاشمي الطود، الذي غادر الحياة عن عمر يناهز 86 سنة من رموز المغرب في القرن العشرين بعمله في سبيل تحرير الوطن، وبإخلاصه لمبادئ “الحرية والعدالة والكرامة”.
غادر المغرب إلى مصر سنة 1945 مشيا على الأقدام، وسنه لم يتجاوز أل15 ربيعا، ورافقه، منذ مدينة باتْنة، عاصمة منطقة الأوراس، الواقعة شرق الجزائر،إلى القاهرة إذ جمعتهما غاية مشتركة، الممثلة أساسا في طلب العلم (وكانت القاهرة قبلة لطلب العلم باللغة العربية، وعاصمة لحركات التحرر).
اتصال الهاشمي الطود بالأمير الخطابي :
وبعد سنتين من وصول الهاشمي الطود إلى القاهرة استقبلت المملكة المصرية، آنذاك، الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي لاجئا في أرضها، بعد توقف الباخرة التي كانت تنقله في بور سعيد، من منفى لارينيون La Réunion في المحيط الهندي إلى المنفى الفرنسي، في أواخر شهر مايو 1947.
وكانت التقاليد الأمنية الاحتياطية في الدولة التي تستقبل شخصية سياسية كبيرة تقضي بجمع كل المقيمين والزائرين، غير المحقق من هويتهم، أو غير المعروفين لدى الأجهزة الأمنية، التابعين لدولة تلك الشخصية وإيداعهم السجن، حتى يتم التحقق من هويتهم، ثم يتم البت في مصيرهم وكان الهاشمي الطود ورفيقه الجزائري محمد إبراهيم القاضي من بين الموقوفين في السجن الحربي، وقد أخفى القاضي جنسته الفرنسية الجزائرية تجنبا لترحيله إلى الجزائر أو فرنسا.
طالت مدة إيقاف الشابين التلميذين في السجن الحربي الذي كان من بين نزلائه أنور السادات وشخصيات سياسية وعسكرية معارضة للملك فاروق. فتعاطف كثير من النزلاء مع الشابين فنُصحا بالإضراب عن الطعام قصد لفت السلطات إلى حالهم.
لكن أحد ضباط الجيش، المسؤول عن إدارة السجن قال لهما: “إن الذي كان سببا وراء إيقافكما قد يكون، أن شاء الله، المعين على إنقاذكما من هذا الوضع بضمانه لكما، لكي يُطلق سراحكما، وأخبرهما بأنه مستعد أن يقوم بهذه المهمة النبيلة إذا وافقا، كونه سبق له أن تم التعارف بينه وبين أحد أبناء الأمير الخطابي وهو عبد السلام.
بعد أيام زارهما عبد السلام، فتعاطف معهما ونقل حالهما ووضعهما إلى والده الذي طلب من السلطات المصرية إطلاق سراح الشابين بضمانته.
وكان الأمر كذلك. ورافق الضابط المصري عبد السلام والهاشمي الطود ومحمد القاضي إلى إقامة الأمير، حيث استقبلهم استقبالا حسنا، وسألهما عن موطنهما في المغرب. فكان جواب الهاشمي أنه من القصر الكبير وأنه من آل الطود. أما القاضي فقد أخبره أنه من تطوان.
اطمأن الخطابي لأنه كان ذا معرفة جيدة بآل الطود. استأذن الضابط في الانصراف بعد أن تأكد من ضمان الخطابي للشابين، ورافق الخطابي الضابط لتوديعه عند الباب الخارجي، وحين رجع طلب من الشابين الجلوس.
لكن الهاشمي اعتذر حتى يعرف حقيقة محمد القاضي التي أخفياها عن السلطات المصرية للأسباب التي ذكرناها أعلاه، ولأنهما صديقان منذ انطلاقهما سويا من باتنه، فقد قال لي العقيد الهاشمي، مصدر هذه المعلومات وصاحبها، أن الأمير، بعد أن استمع إلى قصتنا بإمعان كبير، وتأكد من صدقها، تقدم إلينا وقبلنا من جبهتينا قائلا: “هذه هي الأخوة الحقيقية التي نريدها في بلادنا وبين إخواننا”،.
وأضاف السي الهاشمي قوله: “أصبحنا منذ تلك اللحظة لا نفارق الأمير،ولم تفارقنا رعايته، ومن تلك اللحظة كذلك أصبحنا نفهم أن رسالة الخطابي في التحرر من الاستعمار في شمال إفريقيا قد استؤنفت، خاصة عند إصدار بيانه الأول لصالح تحرير فلسطين في 29 نونبر 1947، وإشرافه على تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي في أوائل سنة 1948، وإرساله أولى البعثات من أبناء المغرب الكبير للتكوين العسكري في كل من العراق وسوريا زيادة على مصر، قصد تكوين نواة جيش تحرير كل شمال إفريقيا.
وكنت والقاضي في مقدمة الدفعة الأولى لهذه النواة. اغتيل محمد إبراهيم القاضي في تطوان، بعد استقلال المغرب، من قبل أعداء منهجية الخطابي في تحرير شمال إفريقيا. رأيه في الأحزاب المغربية من قضية التحرير.
وفي شهادة له، مؤرخة بالرباط في 3 فبراير 2005، ذات صلة بالعمل الوطني التحريري الذي انخرط فيه إلى جانب الأمير الخطابي، نشرت في كتاب “عبد الكريم الخطابي، التاريخ المحاصر”، يلخص فيها موقف الأحزاب المغربية من قضية التحرير، فيقول: “إن الزعامات السياسية الجديدة لم تكن تنظر بعين الاطمئنان إلى عودة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى ساحة المعركة برصيده النضالي الذي لا يضاهي وبوزنه الوطني والعربي والإسلامي والدولي، خوفا على مراكزها القيادية آنداك، وعلى مستقبلها السياسي في المغرب”.
قبل أن يؤكد أن التاريخ الذي يُعلّم في المدارس والمعاهد “بحاجة إلى إعادة كتابته بروح علمية مجردة، تترفع عن الأغراض والغايات الشخصية، أو الفئوية، أو الجهوية، أو القبلية، وتراعي الحقيقة التاريخية بدون محاباة لأي كان، أو لأية هيئة. ودونما رغبة في الانتقام أو تصفية الحسابات.
لقد كلفت “أخطاء” الماضي بلادنا سنوات من التعثر والاضطراب والتناحر الحزبي والسياسي والقمع والإقصاء والتهميش لهيئات ولمناطق وفئات سكانية بأكملها، وأفرزت تناقضات جديدة لا يجادل عاقل في أن المغرب كان في غني عنها لإنجاز مسيرته التحريرية والتنموية”.
هذه إحدى خلاصات رؤية القائد العقيد الهاشمي الطود لما حدث، ولما آل إليه المغرب، الذي ناضل هو ورفاقه من أجل أن يسترجع مكانته في صناعة تاريخه، وتحقيق الحرية والعدالة والكرامة لأبنائه، لأنهم يستحقون ذلك. فرحمه الله رحمة واسعة، وهو الذي تفانى في حب وطنه، وعمل إلى جانب رفاقه من أجل رفعته، وتحقيق طموحات شعبه إلى بناء المستقبل المنشود لأبنائه.
وإليكم بعض صوره، بدءا من صورته ضابطا مكونا من قبل الأمير الخطابي في مصر ووصولا إلى صور السنوات الأخيرة،بعد تقاعده برتبة عقيد من الجيش الملكي المغربي، مع بعض الفعاليات المغربية وخاصة الشباب الذين كانوا يقدرونه ويستمدون منه القدوة في العمل والتضحية في سبيل بناء مستقبل المغرب الحر.