من اختناق هرمز إلى انفتاح الأطلسي… كيف استشرف المغرب مستقبل أمن الطاقة

بقلم : حميد غونو

قبل أن يتحول النفط إلى مصدر للثروة، كان طريقه إلى الأسواق هو الذي يمنح أصحابه النفوذ. فالتاريخ الحديث لا تحكمه فقط الجغرافيا التي تختزن الموارد، وإنما الجغرافيا التي تؤمن عبورها. ولهذا لم تعد القوة تقاس بما تملكه الدول في باطن الأرض، بقدر ما تقاس بقدرتها على حماية طرق التجارة، وتأمين سلاسل الإمداد، وبناء البنية التحتية التي تجعلها عقدة لا غنى عنها في الاقتصاد العالمي. ومن هنا يكتسب مضيق هرمز، كما يكتسب مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، دلالتهما العميقة؛ فهما لا يمثلان مجرد مسارين للطاقة، بل يجسدان فلسفتين مختلفتين في توظيف الجغرافيا: الأولى تجعلها أداة للضغط والصراع، والثانية تجعلها جسرا للتعاون والتنمية.

لقد أصبح مضيق هرمز، الممتد بين إيران وسلطنة عمان، أحد أكثر نقاط الاختناق حساسية في العالم. فمن خلال هذا الشريان البحري تعبر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج نحو الأسواق العالمية، حتى باتت أي أزمة فيه تتجاوز حدود المنطقة لتتحول إلى أزمة عالمية. ولم يعد السؤال الذي يشغل الأسواق: كم تنتج الدول من النفط؟ بل: هل تستطيع إيصاله إلى المستهلكين؟

إن القيمة الاستراتيجية لهرمز لا تكمن في كونه ممرا بحريا فحسب، بل في أنه يجسد هشاشة الاقتصاد العالمي أمام ضيق الجغرافيا. فمجرد التهديد بإغلاق المضيق، أو ارتفاع مخاطر الملاحة فيه، كفيل بإشعال أسعار النفط والغاز، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وإرباك سلاسل التوريد، ودفع موجات تضخم تمتد آثارها من مصانع آسيا إلى متاجر أوروبا وأمريكا. وهكذا يتحول ممر لا يتجاوز عشرات الكيلومترات إلى ميزان يحدد استقرار الاقتصاد الدولي بأسره.

ولذلك سارعت القوى المنتجة للطاقة إلى البحث عن بدائل تقلل من اعتمادها على هذا الممر. فأنشأت السعودية خطوط شرق-غرب تنقل نفطها من ينبع إلى البحر الأحمر، وربطت الإمارات حقولها بميناء الفجيرة على خليج عمان، وعمل العراق على منافذ نحو البحر المتوسط عبر خط كركوك- جيهان، في المقابل تبقى قطر والكويت والبحرين الدول الاكثر هشاشة لاعتمادها على ممر هرمز، بينما تسعى إيران نفسها إلى تعزيز مرافئها المطلة على بحر عمان. إنها جميعا تدرك حقيقة واحدة: من يملك طريق التصدير يملك جزءا كبيرا من القرار الاقتصادي.

غير أن الصراع حول هرمز لم يعد صراعا على النفط وحده، بل أصبح صراعا على السيطرة على الموانئ، والقواعد العسكرية، وممرات التجارة، والبنية اللوجستية التي تشكل شرايين الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن أي تصعيد في هرمز لا يبقى محصورا فيه، بل يمتد تلقائيا إلى باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، لتصبح منظومة التجارة العالمية كلها رهينة سلسلة من نقاط الاختناق التي تتشابك فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية.

لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تبني مستقبلها بإغلاق الطرق، وإنما بفتحها. فبعد أن أنهكت الحروب أوروبا، لم يكن الطريق إلى السلام سباقا جديدا نحو التسلح، بل كان قرارا سياسيا جعل الفحم والصلب، وهما عماد القوة الصناعية آنذاك، أساسا للتعاون لا للصراع. ومن تلك الفكرة البسيطة ولد مشروع التكامل الأوروبي، الذي أثبت أن المصالح المشتركة أكثر قدرة على صناعة الاستقرار من موازين القوة وحدها.

ومن هذا المنظور يمكن قراءة مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، الذي أطلقه المغرب بشراكة مع نيجيريا، باعتباره أكثر من مجرد مشروع لنقل الغاز. إنه تصور استراتيجي جديد لدور الجغرافيا في إفريقيا. فبدلا من أن تكون خطوط الطاقة أدوات للهيمنة أو الابتزاز، تتحول إلى شبكات لربط الاقتصادات، وتعزيز التكامل الإقليمي، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتوسيع السوق الإفريقية للطاقة، بما يرسخ الأمن الطاقي والتنمية المشتركة.

ولذلك فإن المفارقة بين مضيق هرمز وأنبوب الغاز الأطلسي ليست مفارقة تقنية أو اقتصادية فقط، وإنما هي اختلاف في فلسفة إدارة القوة. ففي الوقت الذي يظل فيه العالم منشغلا بكيفية حماية ممر بحري مهدد بالإغلاق، خصوصا من قبل النظام الإيراني، في كل أزمة، يقدم المشروع الأطلسي تصورا معاكسا يقوم على فتح ممر جديد، يربط ثلاث عشرة دولة إفريقية على امتداد الساحل الأطلسي، ويحول الغاز من مصدر للتنافس إلى رافعة للتكامل الإقليمي.

 

ولا تكمن أهمية هذا المشروع في كميات الغاز التي سينقلها فحسب، بل في ما سيخلقه من ترابط اقتصادي يجعل استقرار كل دولة مرتبطا باستقرار جيرانها. وهذه هي الفلسفة نفسها التي قامت عليها أكبر مشاريع التكامل في العالم؛ إذ إن المصالح الاقتصادية المشتركة غالبا ما تكون أقوى من النزاعات السياسية، لأنها تجعل تكلفة الصراع أعلى من مكاسب التعاون.

وفي قلب هذه التحولات يبرز المغرب بوصفه أحد أكثر الدول استعدادا لاقتناص الفرص التي تفرضها إعادة رسم الخرائط اللوجستية العالمية. فموقعه الاستراتيجي عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، إلى جانب ما راكمه من استثمارات ضخمة في البنية المينائية والطرق والربط القاري، يجعله مرشحا للعب دور يتجاوز حدوده الوطنية، ليصبح منصة لوجستية تربط إفريقيا بأوروبا والأمريكيتين.

وليس من قبيل المصادفة أن تتكامل مشاريع مثل ميناء طنجة المتوسط، وميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة، والمبادرة الأطلسية، وأنبوب الغاز الإفريقي، ضمن رؤية واحدة تقوم على تحويل المغرب إلى نواة استراتيجية في سلاسل التجارة والطاقة العالمية. فهذه المشاريع لا تستجيب فقط لحاجات الحاضر، بل تستشرف التحولات التي يفرضها عالم يبحث عن طرق أكثر أمنا واستقرارا لنقل موارده.

لقد دخل العالم مرحلة جديدة لم يعد فيها النفوذ رهين امتلاك الثروات الطبيعية فقط، بل أصبح مرتبطا بالقدرة على بناء البدائل، وتأمين الممرات، وإنشاء شبكات تجعل الاقتصادات أكثر ترابطا وأقل هشاشة أمام الأزمات. ومن هنا، فإن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مشروعا طاقيا فحسب، بل باعتباره رؤية جيوسياسية تسعى إلى تحويل الجغرافيا من نقطة اختناق إلى فضاء للاندماج، ومن مصدر للتوتر إلى محرك للتنمية.

واليوم، وبعد سنوات من إطلاق هذه الرؤية، يتحول الحلم إلى واقع. فالتوقيع على الاتفاقيات التنفيذية لمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي لا يمثل مجرد إنجاز في مجال الطاقة، بل هو انتصار لفلسفة سياسية واستراتيجية استشرفت المستقبل قبل أن تدركه الأحداث. فمنذ خطاب جلالة الملك محمد السادس أمام القمة الثامنة والعشرين للاتحاد الإفريقي سنة 2017، كان واضحًا أن المغرب لا ينظر إلى إفريقيا كسوق أو مجال نفوذ، وإنما كشريك في بناء فضاء إفريقي متكامل، قوامه التضامن والتنمية والمصالح المشتركة. واليوم، يتأكد مرة أخرى أن الرؤى الكبرى لا تقاس بضجيج اللحظة، بل بقدرتها على أن تتحول إلى مشاريع تغير الجغرافيا الاقتصادية للقارة. وإذا كان مضيق هرمز يختزل هشاشة العالم أمام اختناق ممر بحري واحد، فإن أنبوب الغاز الأطلسي يجسد إرادة إفريقيا في صناعة بدائلها، وتأمين مستقبلها، وبناء وحدة اقتصادية قد تكون، كما كانت الجماعة الأوروبية للفحم والصلب نواة الاتحاد الأوروبي، اللبنة الأولى لاتحاد إفريقي أكثر اندماجا وسيادة وازدهارا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد