في ذكرى الاستقلال..هل تجاوز المغاربة تصفية مُعادلة الإرث الاستعماري؟

0

زنقة 20 . الأناضول

يخلد الشعب المغربي ، في 18 نوفمبر/تشرين ثاني من كل عام، ذكرى عيد الاستقلال، الذي أرّخ لنهاية فترة الوصاية والاستعمارين الفرنسي والإسباني، التي دامت قرابة  44 سنة وامتدت حتى 1956.

إلا أنه رغم مرور 59 سنة على استقلال المغرب، لا تزال إلى اليوم ثمة ثغور محتلة، منذ قرون خلت، من قبل إسبانيا، لاسيما سبتة ومليلية، والجزر الجعفرية في البحر الأبيض المتوسط، وجزر الخالدات بالمحيط لأطلسي، الأمر الذي يفرض على المغرب، برأي العديد من الملاحظين، بذل جهودٍ ومساعٍ أكبر، لتكريس استقلاله الكامل وتحصين وحدته الترابية، وفي  نفس الآن حشد تأييد المجتمع الدولي لاسترجاع ما تبقى من مناطقه المحتلة.

التنافس الاستعماري للسيطرة على  المغرب  :

تاريخيا، تعرض المغرب الحديث للاحتلال الأجنبي، منذ سنة 1906 بموجب مؤتمر الجزيرة الخضراء، الذي أفقد المغرب سيادته وجعل أراضيه تحت السيطرة الفرنسية والإسبانية.

وفي سنة 1912، اضطر المغرب إلى قبول معاهدة الحماية، وهي شكل استعماري قام على الازدواجية الإدارية بين إدارة استعمارية ذات سلطة فعلية، وإدارة وطنية ذات سلطة صورية. وبمقتضى هذه المعاهدة تم تقسيم البلاد إلى مناطق خاضعة للنفوذ الفرنسي وأخرى تحت السيطرة الإسبانية، في حين تم إخضاع طنجة (أقصى الشمال) لوضع مدينة دولية.

جهود المغرب لاسترجاع الثغور المحتلة :

وبعد حصوله على استقلاله سنة 1956، شرع المغرب تدريجيا في استكمال وحدته الترابية باستخدام أساليب سلمية ومقاومة شعبية، تمكن بفضلها من استرجاع عدة ثغور محتلة، بدءًا من إنهاء الوضع الدولي الذي كانت طنجة خاضعة له واسترجاعها في سنة 1957، مرورًا باسترجاع مدينة طرفاية (جنوب) سنة 1958، ومدينة إفني  (جنوب)  سنة 1969، ووصولاً إلى تنظيم المسيرة الخضراء، واسترجاع منطقة الساقية الحمراء (جنوب)  سنة  1975، واسترجاع منطقة وادي الذهب (أقصى الجنوب) في 1979.

إلا أن إسبانيا لا تزال تحتل مدينتي سبتة ومليلية الواقعتان شمالي المملكة، فضلاً عن مجموعة من الجزر المغربية التي لا تبعد عن سواحله الإقليمية إلا مئات الأمتار.

واللافت أن البلدين المحكومين بأواصر القرب الجغرافي تجمعها مصالح وعلاقات اقتصادية متنوعة، وفي الوقت نفسه تفرق بينهما مجالات عدة للنزاع والتوتر تتمخض عادة عن مطالبة المغرب، عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية، باستعادة ثغوره المحتلة السالفة الذكر.

وفي هذا الصدد، قال الحسان بوقنطار، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، للأناضول إن موازين القوى والظرفية الجيوسياسية الحالية، وكذا ثقل ملف قضية الصحراء تفرض على المغرب عدم فتح “جبهات صدام أخرى” مع الجارة إسبانيا التي تعد الشريك الاقتصادي الثاني للمغرب، خاصة من أجل استرجاع سبتة ومليلية.

واعتبر أن “التدافع السياسي يخضع لمنطق التوقيت، ولتوافر معطيات وحيثيات معينة”، مبرزًا أن فتح صراع مع إسبانيا قد ينجم عنه تغيير سياسة إسبانيا تجاه المغرب، من قبيل تأييدها الطرح الانفصالي للبوليساريو، وأن المغرب ليس من مصلحته “خلق خصوم على أكثر من جبهة أو الدخول في مغامرة غير محسوبة العواقب”.

واعتبر أن حل المدينتين السليبتين سبتة ومليلية قد يتأتى في إطار سياق مبادرة شبيهة بتلك التي اتخذتها بريطانيا والصين بخصوص استرجاع  مدينة هونغ كونغ.

قضية الصحراء لن تسقط بالتقادم :

وبخصوص قضية الصحراء، اعتبر بوقنطار أن المغرب قطع خطوات طويلة وبذل جهودًا حثيثة بخصوص تسوية ملف الصحراء، لاسيما من خلال طرح مبادرة الحكم الذاتي التي تخول سكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم بأنفسهم، فضلا عن البرنامج التنموي الكبير المتمثل في إطلاق الجهوية الموسعة.

وأبرز الأكاديمي أن تكريس هذا المقترح سيساهم في إيجاد حل نهائي للنزاع، الذي أصبحت انعكاساته الخطيرة تهدد أمن المنطقة واستقرارها، خاصة على خلفية تنامي الحركات الإرهابية وتنامي ظاهرة الهجرة السرية وتهريب الأسلحة.

وأبرز أن العديد من الصعوبات التي تكتنف الملف هي مرتبطة أساسا “بالمجتمع الدولي وإرادة خصوم المغرب،  مذكرًا أن قضية الصحراء تعد من آخر ملفات تصفية الاستعمار التي لم تقع تسويتها دوليًا بعد.

الصمت لا يعني تخلي المغرب عن حقه السيادي:

من جانبه، اعتبرمحمد بنحمو، الأستاذ الجامعي ورئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، في حديث للأناضول، أن انشغال المغرب بقضية الصحراء على الصعيدين الداخلي والخارجي، أثر سلبًا على منسوب الاهتمام الواجب بقضية سبتة ومليلية والمناطق المحتلة الأخرى، لافتًا أن صمت المغرب عن احتلال إسبانيا لهذه الثغو  لا يعنى تخليه عن حقه السيادي عنها.

وأوضح أن مطلب السلطات المغربية استرجاع سبتة وميليلة والجزر الجعفرية يبقى قائمًا ولا يسقط بالتقادم، على اعتبار أن هذه الثغور جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، الذي طالب غير ما مرة إسبانيا بالدخول في مفاوضات مباشرة معه للحسم بشأن الانتماء التاريخي والجغرافي  لهذه الثغور إلى المغرب.

وأشار أن تعامل المغرب مع إسبانيا بخصوص الثغور المستعمرة يتسم بالمرونة التي تضمن عدم تضرر العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة، مبرزًا أن المملكة تحرص على بحث هذا الملف بشكل يحفظ مصالحها ولا يزج بعلاقاتها نحو المجهول، وهو يعني، برأيه، أن المغرب يبدي نوعًا من التدبير العقلاني بشأن التعاطي مع هذا الملف، على خلفية وضعية دولية واقتصادية وأمنية صعبة.

وقال إن ما يراهن عليه المغرب واسبانيا في هذه الظرفية الإقليمية الدقيقة- التي تتميز بجملة من الإختلالات السوسيواقتصادية وأوضاع جيوسياسية متقلبة وتحديات أمنية محدقة- هو أساسًا استتباب الأمن والاستقرار، بدل فتح  ملفات شائكة قد تزج بالمنطقة إلى متاهات وخيمة العواقب.

وعمومًا، يجمع العديد من متتبعي الشأن السياسي المغربي، أن صعوبة تصفية الإرث الاستعماري يجعل من علاقات المغرب مع كل من الجارة إسبانيا والجزائر متأرجحة بين الهدوء والتوتر أحيانًا والمد والجزر أحيانًا أخرى، وهو ما يعكس في المحصلة عمق الخلافات الجانبية العديدة التي تمتد في جذور التاريخ والحقبة الاستعمارية.

وبدأت قضية الصحراء عام 1975، بعد إنهاء الاستعمار الإسباني لها، ليتحول النزاع بين المغرب و”البوليساريو” (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) إلى نزاع مسلح استمر حتى عام 1991، قبل أن يتوقف بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، برعاية الأمم المتحدة.

وتُصر الرباط على أحقيتها في الصحراء، وتقترح كحل، حكماً ذاتياً موسعاً تحت سيادتها، بينما تطالب “البوليساريو” التي تدعمها الجزائر بتنظيم استفتاء لتقرير مصير المنطقة.

قد يعجبك ايضا
النشرة الإخبارية الأسبوعية
اشترك في النشرة الإخبارية لدينا من أجل معرفة جديد الاخبار.
تعليقات
تحميل التعليقات...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد